شركاء في حبّها !

العدد: 
13864
التاريخ: 
الثلاثاء, 2 آذار 2010
لايذكر عبد الله البواعث الحقيقية التي جعلته في سنوات نشأته البعيدة, يتحمس لقضية القطاع العام ونمائه في المجتمع, حتى غدا حالماً بجعل الكون كلّه ملكية عامة, يصبح فيه الناس (شركاء في الماء والكلأ والنار), وكل مايروي لهم ظمأ, أو يحمل لوجودهم الإنساني طمأنينة ودفئاً.

يستعيد ذلك الماضي البعيد, من حين إلى حين, فيضحك من مفارقته لقناعاته الجديدة بأهمية القطاع الخاص, في المجتمع, ودور مؤسساته في نهضته وتطوره, وقد سأله واحد من أصحابه مرّة عن سبب ضحكه في خلوته وحيداً, بعيداً عن المضحكات والمبكيات الكثيرة على دروب الحياة وأرصفتها, فقصّ له قصته مع أحلام اليقظة والذكريات والتأمّلات, قصّاً أثار فضوله وإعجابه إثارة دفعته إلى طلب تحقيق مشاركة تسمح لكل منهما بالنهل من ذكريات صاحبه وأحلامه, وسرعان ماجربا تلك الشراكة في جلسات بدت مسلية لكل منهما بما فيها من غرابة وسحر إدهاش.‏

كان ذلك الصاحب نافراً من ذكر القطاع العام أو الخاص أو المشترك, يتمنى لو يترك الناس هموم الصناعة والزراعة ومايتصل بها, ليتفرغوا للشعر والفنون, لذلك وجدته يقود جلسات الحوار إلى مسالك أكثر غرابة وإدهاشاً, ممّا زاد وتائر الضحك من المفارقات, حتى غدا ضحكاً عالياً يثير انتباه المارة والعابرين.‏

بينما كان ضحكهما في إحدى ذراه, اتصل بعبد الله أحد رجال الأعمال, بوساطة الهاتف المحمول, الذي غدا يقرّب المسافات بين الناس هازئاً بالجبال والأودية التي تباعد بينهم, ولأن الهاتف المحمول تقنية صغيرة توحي للمتحدث بالسرعة والعجلة والاختصار, فقد اكتفى المتحدث بتأنيبه السريع لأن ولده رسب في امتحان مادة اللغة العربية التي يدرسها عبد الله منذ سنوات طويلة, نعم رسب !!! على الرغم من التوصيات المسبقة التي أكدت ضرورة نجاحه قبل سفره لقضاء أيام العطلة في دولة أجنبية صديقة, فما العمل؟‏

ضرب كفاً بكف بعد انتهاء الاتصال الهاتفي بتحذير غريب, قبل أن يرنّ الهاتف المحمول من جديد, رنّة خاصة مطمئنة, فمن خصائص هذا الهاتف القدرة على منح بعض المتصلين, رنّات مميزة, لذلك وجدته يستعيد قدرته على الابتسام ويبشّ سائلاً شريكة عمره عن سبب اتصالها, باقتضاب , هو الذي اعتاد أن يسألها وتسأله لساعات على طريقة الشاعرين نزار قباني وسعاد الصباح, لكنّه الهاتف المحمول فما العمل؟‏

أخبرته أن لجنة تمكين اللغة العربية في المحافظة تطلبه إلى اجتماع على جناح السرعة, فقد تمّ اختياره للمشاركة في خطتها الجديدة.. اكتفى من الحوار بهذه الكلمات طبعاً, بعد أن تطبعت نفسه مع فكرة الاقتضاب في الحديث بالهاتف المحمول, حتى مع أعزّ الناس, مادام قادراً على استكمال الحديث وجهاً لوجه في الوقت المناسب.‏

راح يحث الخطا في الطريق إلى القاعة القرمزية الكبرى بدار المحافظة, مفكراً بما يمكن أن يقدمه من جهد لنجاح الخطة العتيدة, وفي غمرة تفكيره هذا, تذكّر تأنيبه السريع بالهاتف الصغير قبل قليل, فعكّرت الذكرى مزاجه,غير أنه دفعها عن ساحة تفكيره, مسوّغاً ذلك التأنيب بانفعال أب ساءه رسوب ابنه, وقد منحه مثل هذا التسويغ شيئاً من الراحة بعد قلق, حتّى إذا وجد ذلك يحتل مكاناً متقدماً من قاعة الاجتماعات والنشاطات, اندفع إليه بتحية المودّة, وكأن شيئاً لم يكن, بينما كان رجل الأعمال المعروف يعبّر عن رغبته في تمويل نشاطات تعنى بتمكين اللغة العربية في المجتمع, مادام الناس شركاء في حبّها!‏

الفئة: 
الكاتب: