(جنان) .. وحسن قداح

العدد: 
13883
التاريخ: 
الثلاثاء, 30 آذار 2010
المكان الشعري «بلدة القدموس» التي تضم إحدى قلاع التاريخ السوري وتنام وتصحو بشموخ ووداعة حيث النسيم العليل الذي ينقي الروح من الغم والهم ويسحب العطر من كل زهرة بين الصخرة والتلة وبين الجبل والوادي...

الزمان... مانحن فيه، ومايقال من شعر وفن وإبداع نصطفي وننتقي بملء إرادتنا... والشاعر صاحب ديوان«جنان» حسن عدنان قداح... أخذني قبيل دخولي إليه مع الرحالة عبد الغني النابلسي في كتابه: «الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز» تحقيق: رياض عبد الحميد مراد- صادر عن دار المعرفة 1989م.... وعندما وصلنا قال الرحالة النابلسي «من مجزوء الرمل»:‏

إن درب القدموس متعب كلّ النفوس‏

كم صعدنا في صخور بأيادٍ ورؤوس‏

وهبطنا كل وادٍ ثم في هم و بوس‏

بين أشجار قيام حول أحجار جلوس‏

وجميع الدرب معو ج كأديان المجوس‏

فيه ضيق والتفافٌ ليس ينجاب بقوس‏

«وصلنا إلى بلدة القدموس، وفي القاموس: القدموس، كعصفور: الملك الضخم، والعظيم من الإبل، والجميع قداميس، والقدموسة من الصخور والنساء: الضخمة العظيمة.‏

فلعلها سميت بذلك لقدمها، أو لأن بانيها كان ملكاً ضخماً عظيماً، أو لما فيها وفي طرقها من الصخور العظام وأهلها من بني تنوخ وهم حي في اليمن، وفيها قلعة عظيمة بعمارة منيفة، وفيها قبل النبي شيث عليه السلام، يذهب الناس إليه للتبرك، وطلب الشفاء».‏

هذه هي القدموس التي أنجبت الكثير من الشعراء والمفكرين... منهم الشاعر حسن قداح... الذي وجد نفسه بين البحر والجبل وشجرة الآس... فكان ديوانه «جنان» ورقة رابحة في معاني تفكيره ورسم مشاعره الشفافة والظليلة، فتملكه هوى جنان وأسره، كيف لا وهو من نسيج الجمال الشفاف والرقيق نسيمي اللهفة القدموسية... حين يتعانق هواؤها مع هواها فيختلط العشق الجمالي مع الطبيعة التي تفكك أسر الروح وتبوح بسر كينونتها الخلاقة... فتطبخ الطبيعة القصيدة على جمر الشوق والعشق وتفجر ينابيع العطاء في ذرى الجمال كي تنتصر القدموس على «جنان» لأنها الأرض والانتماء والوطن... إنما هل «جنان» الشاعر إلا قطعة من كبده وكبد القدموس التي تسمو بقلب الشاعر ككتلة من نار العشق والمحبة.‏

«قدموس» قبلكِ في الغرام حبيبتي ولها أعود بخجلةِ الإخفاق‏

قد كنت أرجو في الغرام حبيبة تحيا بحسّ مرهفٍ رقراق‏

وجد الشاعر قداح في الإيقاع الخارجي أدواته التعبيرية عن انفعالاته وهواجس نفسه بحيث تصل بغنائية مفرداتها إلى المتلقي... فتأسره بالشكل قبل المضمون... مستخدماً عذوبة الموسيقا كي تؤطر الكلمات بالعذوبة.... فهو يكتب القصيدة الوزنية بنمطيها «البحر- التفعيلة» محاولاً أن يطرح نمطه الحداثوي من خلال إطاره التقليدي... فبالنسبة له «الوزن: هو جوهر الشعر».. وبالتالي لم يستطع شاعرنا حتى في القصائد التفعيلية التي كتبها إلا أن يكون تقليدياً غنائياً أكثر منه شاعراً حداثوياً مكتشفاً للحياة والإنسان.. فتماهى شعره في الوصفية أكثر من تماهيه في الحالة الشعرية الرؤيوية... وهذا مايعانيه أغلب من يكتب قصيدة الوزن التي للأسف -تأسر كاتبها بالغنائية الوصفية وتبعده عن الحالة الجمالية الرؤيوية... هذا ليس عيباً أو خطيئة... فالحياة كما هي بحاجة لرؤية هي بحاجة للغناء.. قال الموسيقار العبقري بيتهوفن في إحدى الجلسات: «ألا نرى كيف أنّ ماتحتويه القصيدة من معاني الروح... يصير شعوراً حسياً بالنغم».‏

والشاعر حسن يمتلك أدواته التعبيرية بإتقان وينسج قصائده بالحس المعبر عن جمالية الطبيعة والإنسان بروح غنائية جمالية ممتعة:‏

ولد الجمال بقريتي وترعرعا قدموسنا وربيعنا ولدا معا‏

هي جنة بحقولها طاف الهوى نيسان من هذي الحقول تبضعا‏

قدموس يامشفى العليل وبلسماً قد صرت مطلب من يضيق توجعا‏

شعراؤنا بألف خير، لم يعد الوقوف على الأطلال ومناجاة الأنثى مطلباً عاماً أو خاصاً،ولم تعد الأنثى هاجساً شعرياً يصبح مدار الشاعر وفلكه الشعري... إنما بات الشعراء يبحثون عن حاجاتهم وضروراتهم الذاتية والعامة فهم جزء من كل «المجتمع- الأمة- الوطن- الطبيعة»... بطرق تعبيرية تقارب النفس والعقل في لحظة كشف شعري وجمالي:‏

الفقر أرجعني لصيد طريدة فذبحت آلاف الطيور على الشجرْ‏

ونسيت عصري كله في لحظة وكأنني قد عشتُ في عصر الحجرْ‏

يتابع الشاعر حسن فيقول:‏

إني أخاف بأن أعود لنقطة الصفر التي قبل الشريعة والبشرْ‏

الشاعر يخاف من السقوط إلى البدائية وخروج النفس من البدن بسبب الحاجة والعوز..‏

ويخشى في الوقت ذاته أن يسقط في براثن المشكلات الاجتماعية وأهمها الفقر الذي يراه قريناً لذل التسول ... فيفر إلى الطبيعة لتكون ملاذاً رحيماً أقل شراسة من البشر.... فيرى السخاء في النخلة فيخاطبها:‏

هل نخلة آوي لظل غصونها فتجود بالظلّ الكريم وبالثمرْ‏

تكشف المجموعة الشعرية عن شاعر يمتلك إضافة لأدواته الفنية ثقافة تاريخية وفكرية تجعله يستحضر الماضي محاولاً أن يعطيه ألقاً جديداً، لكنه يستعمله بمفاهيمه القديمة ذاتها... فالنخلة التي هزت جذعها «السيدة مريم العذراء» وتساقطت رطباً... هي ذاتها نخلة حسن قداح؟؟‏

الشاعر تمثل البيت: «ذو العقل يشفى في التعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ»‏

لذلك كان التشابه والتناص في المضمون واضحاً عندما قال:‏

ياعقل كم أتعبتني وبديت لي كالغيم في الصحراء لايُجدي مطرْ‏

هل راحة للعقل تفشي ظنّهُ وأنا على الرمق الأخير من العمرْ‏

صياغة شعرية فسيحة لمقولة البيت السابق... بدت لي غير موفقة فهي شرحية وتفسيرية، والشعر هو التكثيف... إضافة لربط الشاعر بين الفقر والعلم بحيث يرى أن الفقر إذا داهم بيتاً من بابه أخرج العلم والمتعلم من نوافذه:‏

ياأيها العلم الذي أرجو به معنىً تخفّى عن عيوني واستترْ‏

«جنان» ليس إلا طيات من الحزن والشجن الرومانسي حيث يجد الشاعر متعة ولذة في تصفح آلامه، وفي تطريز قصائده بألفاظ وعبارات سهلة متناسقة مستمدة من الطبيعة فمن الشجر يقطف العطاء ومن الوادي العميق ومن الصخرة التحدي ومن الجبل السمو.‏

اخترق الشاعر في بعض قصائده جدران النفوس الإنسانية التي تغدر وتطعن في الظهر محاولاً أن يعطيها حقها بكشف عللها وعقدها التي جعلتها خنجراً في ظهر الإنسانية... فيعطي الشعر وظيفة تذكيرية وإظهارية لبعض النفوس العليلة بالحقد والغدر، فيشبه الخيانات الحديثة لقلوب العاشقين ومنها قلبه، بما حدث في التاريخ:‏

هي مثل «ديك الجن» يبكي في الهوى والقتل كان رواية متكاملهْ‏

ذوقي عذاباً ناره كجهنم بالقتل يوماً أبشري ياقاتلهْ!‏

إن غاية القصيدة هي دخول غير مسبوق للحس والعواطف والمدركات وإيقاظ المدركات الخامدة في النفس والمشاعر الراكدة... وقيمة الشعر بما يختلج في النفس الإنسانية عند القراءة، والشعر الجيد كالبحر وأعماقه ودرره، لايقف عند الفكر جامداً، إنه متحرك كالنسيم فوق الجبل، وكشعاع نور يضيء للمتلقي ما تستره النفوس فيجلو غشاوة العيون والأذهان كي تفتح دفاترها وتقرأ الحياة بكل وضوح ومتعة... الشعر إيجاز وإيحاءٌ يتلقاه من يمتلك الحسّ والذوق:‏

قبّلتُ كلّ وريقةٍ ضمن الكتا ب لأنّها قد لامست كفّيكِ‏

وشممته شمّ البنفسج باحثاً عن زفرةٍ سمراءَ من خدّيكِ‏

أجنانُ في صفحاته أتذوق الر يقَ الذي قد فاضَ من شفتيكِ‏

كي تقلبي صفحاته بتلهفٍ سهواً بريقك قد بللت يديكِ‏

لم يخرج الشاعر من خيمة عواطفه الرومانسية والانطباعية لذلك انتقى حروفه رقيقة وجعل لأسلوبه غايتين:‏

إيضاح للمعنى في الأذهان، وإحياء لقوة المعنى بإيقاظ الذهن وتفتحه على النفس الفاعلة والمنفعلة، لذلك كانت قصائده تموج بين الحكمة والحب وعواطف الأم والجمال وفنجان قهوتها وعراقة الحب،‏

ووصف الشاعر الشهادة بأنها طريق النور وسقيا الله الخالدة للإنسان كغيره من الشعراء الذين تماهوا في محبة الوطن والإخلاص له.‏

وأخيراً ...الشاعر حسن قداح بدا لنا في ديوانه «جنان» شاعراً غنائياً وصافاً متقناً لأدواته الفنية... يحاول أن يعيد تركيب القصيدة كما يراها موسيقية خطابية تحمل رسالة يجب عليها الوصول إلى المتلقي بكل بساطة الطبيعة وعمق غنائية الكينونة الإنسانية.‏

«جنان»: مجموعة شعرية للشاعر حسن عدنان قداح- صادر عن دار قرطاج- سورية 2004م في 72 صفحة و21 قصيدة وإهداء وختام.‏

- الكتاب: جنان «شعر»‏

- الكاتب: حسن عدنان قداح‏

- الناشر: دار قرطاج- طرطوس 2004‏

الفئة: 
الكاتب: