من أعلام حماة .. الدكتور نجيب الأرمنازي1897- 1968

العدد: 
13909
التاريخ: 
الاثنين, 10 أيار 2010
ولد نجيب محمد الأرمنازي في حماة عام 1897، وتلقّى علومه الابتدائية والثانوية في المدرسة العثمانية، ثم درس العلوم العالية في اختصاص الحقوق في باريس، واستطاع الحصول على شهادة العلوم الدولية العليا من جامعة باريس، ثم حاز شهادة الدكتوراه في الحقوق، وهي أعلى شهادة نالها شاب خرج من مدينة حماة عام 1920

مارس نجيب الأرمنازي في مطلع شبابه مهنة الصحافة، وقد اعتمدته جريدة الأهرام في القاهرة محرّراً له شأنه في السياسة الدولية، والعلاقات الخارجية، حتى أنه كان يترجم ترجمة مباشرة عن الفرنسية والتركية والانكليزية. وينشر في سائر المجلّات والدوريات العربية، وفي البدايات كانت له انتماءات وطنية وسياسية إلى حزب الشباب العربي وحزب العهد والاستقلال، وحزب الفتاة، وقد اختير في عام 1920 ليكون رئيساً لديوان المؤتمر السنوي، ثم عيّن في عام 1932 مديراً لمكتب رئاسة الجمهورية. ثم سكرتيراً عاماً لرئاسة الجمهورية، وكان أحد مندوبي سورية في مفاوضات الجامعة العربية لعامي 1943 و1944، ومن ثمّ سمّي وزيراً مفوّضاً للحكومة السورية في لندن عام 1945، بل كان مندوب سورية الدائم في المؤتمر الثقافي في لندن، وعضو اللجنة التحضيرية لهيئة الأمم المتحدة، وكان في الوقت نفسه واحداً من أعضاء الوفد السوري في اجتماع الهيئة العامة ومندوباً في مفاوضات الحكومة السورية في لندن لأمور «فلسطين» عامي 1946 و1947 أي قبيل النكبة بسنة واحدة!!‏

وقد عاش الدكتور نجيب الأرمنازي حياة حافلة بالعمل الوطني، في السلك الدبلوماسي، وكان يتمتّع بالثقافة العالية الرفيعة، ويتقن ثلاث لغات، قراءة وكتابة، وهذا ماأهّله ليكون من الصفوة المختارين في المقدّمة. الذين حملوا هموم الوطن، والدفاع عن حقوقه، والتنادي بالاستقلال والمطالبة الدائمة بالجلاء، جلاء المحتل عن كل شبر من أرض الشام، وفي حياته هذه نال أوسمة مشرّفة من مصر ولبنان، وكان يشار إليه بالبنان في المحافل الدولية، والمؤتمرات العالمية.‏

آثاره‏

وقع بين يديّ من آثار الدكتور نجيب الأرمنازي كتابان: «الأول هو كتاب «الشرع الدولي في الإسلام» و الثاني «من باريس إلى صحراء التيه» أو «الحملة المصرية» وقد اطّلعت عليه بعد أن قدّمه إليّ الدكتور منذر أرمنازي وهو الطبيب المعروف المختصّ بأمراض العيون وجراحتها، وعلى الرغم من اهتمامه العلمي وتبحّره في مجال الطبّ، لكنّ الثقافة العامة تأسره وتشغل وقته.‏

وقد جاذبته غير مرة أطراف الحديث فكان مجلّيا في الشعر والقصّة والتاريخ والآداب، وهذا مانفتقده اليوم في شبابنا الطالع الذي انصرف إلى هموم العيش واستسلم إلى ترهات الأيام!! بعيداً عن دنيا الفكر والعلوم واللغة والأدب!‏

لقد قرأت كتاب «الحملة المصرية» قراءة متأنيّة، ولفت انتباهي تاريخ صدوره عن مطبعة حماة سنة 1340 هـ الموافقة لسنة 1922 م, ومما قيل إنه كان في مدينتنا أكثر من مطبعة في ذلك التاريخ, وكان هناك أكثر من جريدة أيضاً, وهذا الكتاب في الأصل فصول عسكرية سجّلها (علي فؤاد بك) رئيس أركان حرب جمال باشا وقائد الفيلق الثامن في الجيش التركي, واشتمل الكتاب بين دفتيه على مطالعات سياسية في حروب الأتراك وثورة الحسين, وغير ذلك من المسائل المهمّة التي لها علاقة بالحرب العظمى (أي الحرب العالمية الأولى) وقد قام بمهمة النقل المباشر إلى العربية الدكتور نجيب الأرمنازي, الذي ذيّل اسمه بتواضع على أنّه المحرر في جريدة الأهرام, ولم يذكر أية صفة رسمية له, شأن العلماء المتواضعين, الذين يرون فيما يقدّمونه من جليل الأعمال, فرضاً عليهم, تكليفاً لاتشريفاً, يشيعون أينما حلّوا روح العمل والإخلاص, لا التباهي والادّعاء في الفراغ, كما يفعل ناشئو اليوم الذين يكيلون لأنفسهم المدائح ويضعون حرف الدال نصب عينيّ المتلقّي, يوهمونه بما لايملكون, ويقدّمون غثاء وسماجة وزَبَداً لاطائل منه, يطفو أمام عينيك, قذىً وعكارة!!‏

ولو سألنا لماذا هذا الكتاب, لأجاب الدكتور نجيب الأرمنازي: إنّ المؤلف يحدث عن نفسه : إنه كان ملحقاً عسكرياً في السفارة العثمانية في باريس حين أعلنت الحرب العامة, وقد تقلّب في وظائف مدير شعبة الأعمال العربية ورئيس أركان حرب جيش وقائد فيلق, ومرّ بتجارب وخبرات عسكرية بل تمرّس بفنون الحرب ووقائع الأيام وصفات الرجال والقادة وأصحاب الشأن في تصريف أمور البلاد والعباد, وقد كتب الأرمنازي ماكتب في لغة آسرة, فصيحة, عليها من البيان مايأخذ القارئ المتأمّل إلى التهام الأسطر والصفحات, في أسلوب مشرق, وسرد شفيف, يثير كوامن الوجدان, ويوقظ في القلب مشاعر الحبّ والعرفان,..‏

وفي الكتاب أسرار وخطط, في الكتاب دروس وَعِظات, ومواقف وشخصيات, كان لها أثر في السياسة الدولية, وهو مقسم إلى فصول عشرة: / في باريس – في الآستانة ومنشأ غزوة مصر, في سورية, في التأهب لغزوة مصر- في الحجاز- من دمشق إلى بيت المقدس, في صحراء التيه, إلى القناة, الغارة, الإياب/.‏

وفي كل فصل مقاطع صغيرة تكشف المحتوى وتسير بالمتلقي سيراً حثيثاً ليصل إلى أسرار الحملة المصرية, وخفايا الانتقال من باريس / حاضرة الغرب آنذاك/ إلى صحراء التيه..‏

لقد كان لنجيب الأرمنازي فضل النقل إلى العربية بهذه اللغة الجميلة, والبيان المشرق, والعبارات المنمقة التي تدل على التمكّن والأصالة, وكان له السبق في الكشف عن بدايات الحرب العامة ( الحرب العالمية الأولى) هذه الحرب العظمى التي كانت بداية المصائب لأبناء الشرق, ولمنطقة العرب من محيطهم إلى خليجهم, كأنما ينبّه إلى خطر قادم, أو يتنبأ بنكبة فلسطين ومآل أهليها في التشرّد والمصير!.‏

ويكفي أنّ الدكتور نجيب الأرمنازي قد قدّم نفسه من خلال هذا الكتاب الطريف, وعرّفنا ببعض مطالعاته السياسية واهتماماته الدولية يكفيه أنّه شقّ الطريق لكل طامح ومستزيد من المعرفة والتاريخ والتمسّك بحبّ الوطن والدفاع عنه.‏

الفئة: 
الكاتب: