وقفة مع الشاعر السفيربحتري العصر

العدد: 
14044
التاريخ: 
الثلاثاء, 23 تشرين الثاني 2010
ماأحلى الرجوع إلى ساعات المتعة الفكرية والأدبية، ويالطربي بالشعر المطرب والمعجب حينما سمعت شريط تسجيلٍ لأمسية شعرية، للشاعر عمر أبي ريشة في السبعينات.

... ماأجمل أن يكون الشاعر سفيراً وأميراً ووزيراً، ولقب الشاعر هو الأولى والأبقى والأحلى.‏

إنّه من أطول القامات الشعرية في القرن العشرين، حفيد الأمير الشاعر المجلّي أبي فراس الحمداني- وابن منبج، ومن أوائل النجوم السيّارة المتلألئة في سماء الشعر العربي، التي كانت صافية بزرقتها الأخّاذة.‏

إنّه عمر أبو ريشة- شاعر عروس المجد «الشهيرة»- وشاعر الغزل والحبّ والوصف والفخر- شبّهه بعض نقّاد عصره، غير البعيد منّا بـ البحتري، لأمرين: حُبّه العرب- والتغنّي بأمجادهم، والثاني الحب والغزل لكليهما، فالبحتري العبّاسي تغزّل بـ «عَلْوَةَ» الحلبية، وتغزّل أبو ريشة بالسمراء الأندلسية، وقد ركز هذا الشاعر شعره على استلهام التاريخ العربي المجيد، ليذكّر الأحفاد بمآثر وأمجاد الأجداد الذين بذلوا المال والأرواح من أجل تحقيق الأمجاد لأمتهم الغالية، فكانت الملحمة النبوية الشريفة، وقصيدة «خالد بن الوليد».‏

ومثالٌ واحدٌ أكتفي به في ملحمته «السيرة النبوية»، وهو قوله:‏

ياعروسَ الرمال ياقبسَ التا ئهِ في مَهمَهِ الضلال البعيدِ‏

أَمِنَ الركبُ في حِماكِ فردّ يهِ إلى ذكريات تلك العهودِ‏

يومَ أرخى على جوانبك الوحـ ـي جناحين من سماءِ الخلودِ‏

ومن ألفيته «العظيمة» الهمزية أكتفي بهذا المطلع المطرب المعجب.‏

أيّ نجوى مخضلّةِ النّعماءِ ردّدتها حناجر الصحراءِ‏

وفي قصيدة خالد بن الوليد العصماء، أورد أبياتٍ ثلاثة منها، يقول فيها عمر أبو ريشة، مخاطباً سيف الله المسلول:‏

يامُسجّى في قبّة الخلد ياخا لدُ هل من تلفُّتٍ لبياني‏

لارعاني الصَبا إذا عصف البغي وألغى في فمي صريخ لساني‏

حمحماتُ الخيولِ في ركبكَ الطا هر مازلنَ نشوةَ الآذانِ‏

وفي قصيدته عن الجلاء، التي دُرّست في الصفوف الثانوية في مدارسنا، أقف قليلاً- إكباراً وإعجاباً بهذا الشاعر المبدع، عند مطلعها:‏

ياعروس المجد تيهي واسحبي في مغانينا ذيول الشهبِ‏

ومن هذه الأبيات التي تقطر حكمة، وهي من أهم أغراض الشعر العربي في عهوده الأولى، والتي هي عنوان نضوج العقل، والخبرة والتجربة، والتي من أوتيها قدأوتي خيراً كثيراً» قول الشاعر السفير المتميّز :‏

لن يموتَ الحقُّ مهما لطمتْ عارضيهِ قبضةُ المغتصبِ‏

كم لنا من «ميسلون» نفضتْ عن جناحيه غبارَ التعبِ‏

كم نَبَتْ أسيافنا في ملعبٍ وكَبتْ أفراسُنا في ملعبِ‏

شرفُ الوثبةِ أن ترضى العُلا غلبَ الواثبُ أمْ لم يَغْلب‏

ومن جميل رثائه الزعيم المجاهد /ابراهيم هنانو/ أذكر أبياته الأولى من القصيدة، والتي تنطق باعتزازه بوطنه، وأجداده الميامين وأمجادهم، وهي قوله:‏

وطنٌ عليهِ من الزمان وقارُ النورُ ملءُ شعابهِ والنارُ‏

تغفو أساطير البطولة فوقه ويهدّها من مهدها التذكارُ‏

فتظلُّ من أفق الجهاد قوافلٌ مضرٌ يشدّ ركابها ونزارُ‏

وأختتم هذه الإطلالة السريعة على شعر هذا الشاعر الكبير، بأبيات قالها من القصيدة الميمية الشهيرة في نكبة فلسطين، التي درّسنا ومن ثم درّسناها، والتي يخاطب بها أمّته العربية الحبيبة والغالية، ناعياً حالها المأساوي حاثّاً على النهوض والتحرّر:‏

والتي مطلعها:‏

أُمّتي هل لكِ بين الأُممِ منبرٌ للسيف أو للقلمِ!‏

والتي منها هذان البيتان اللذان يُستشهد بهما دائماً:‏

رُبَّ وامعتصماه! انطلقتْ مِلءَ أفواهِ الصبايا اليُتّمِ‏

لامستْ أسماعهم لكنّها لم تلامِس نخوةالمعتصمِ‏

رحم الله الشاعر العربي الكبير والقدير والسفير، رحمةً واسعة!.‏

الكاتب: 
أحمد بشار بركات