عايض القرني والشعر

العدد: 
14515
التاريخ: 
الخميس, 31 كانون الثاني 2013
عايض القرني داعية سعودي وهابي نفطيّ.. ضحكت له الأيام فنال شهرة لم ينلها مالكٌ في زمانه، هو واحد من الذين غرّبت فتاواهم وشرّقت فتحولت إلى أحزمة ناسفة وثقافة استقصاء وجرّ قسريّ لثقافة الأمة وتراثها إلى ماوراء التاريخ. بفتاواه صار القتل هوية وهواية وصار ذبح الإنسان شكلاً من أشكال التقرّب إلى الله. في آخر فتاواه أفتى باغتيال الشعر العربي والتراث العربي، أفتى بإحراق خمسة عشر قرناً من تراث الأمة الذي يشكل الشعر عنوانه وحجر

زاويته. لاثقافة للعرب لولا الشعر ولاهوية لهم من دونه، ولد في حزيرة العرب وولد مخلوقاً ساحراً لم يعرف العرب مخلوقاً آخر يجاريه في صقل النفس واستنفار القيم واستنهاض الهمم والتوأمة بين الجلال والجمال، وصلنا الشعر العربي منذ بدايته، وأول وقفةٍ لمنشديه على الأطلال من خلال جهود العلماء والفقهاء. أنشد الشعراء الشعر في حضرة رسول الله واستأذنه الأنصار في الدفاع عن رسالته ضد مشركي قريش فبارك خطوتهم ودعا لهم بالتأييد، امتدحه كعب بن زهير بقصيدة يشكل الغزل اللوحة الأولى منها فأهداه الرسول بردة وصارت تلك القصيدة مادة الشعراء عبر السنين فعارضوها وخمّسوها وشطّروها وشرحها العلماء والفقهاء واكتشفوا الغنى اللغوي فيها، وولد لبني هاشم أكثر من شاعر وشاعرة، وكان كثير من أصحاب رسول الله شعراء، وفي الخلفاء من نظم الشعر وأبدى إعجابه به منذ البعثة عبر تلك القرون، تتبع العلماء والفقهاء شوارد الشعر ليجمعوا اللغة وليستعينوا به على اكتشاف روعة البيان ومدلولات العربية في القرآن الكريم، لم يصلنا كتاب من كتب التفسير إلا وقد ورد فيه آلاف الأبيات من الشعر العربي القديم الذي يفسر إعجاز القرآن الكريم، وقلّما نبغ فقيه أو عالم لغة إلا وجرّب حظه مع شيء من الشعر، ورحم الله الزمخشري صاحب «الكشّاف» الذي تنهّد مرتاحاً بعد إنجازه العظيم وقرّظ تفسيره بهذين البيتين:‏

إن التفاسير لايُحصى لها عددٌ ولن تشاهد فيها مثل كشّافي‏

فإنْ أردتَ الهدى أكثِرْ قراءته فالجهل كالداء والكشّافُ كالشافي‏

بعد أن أجهز عائض القرني على كل ماهو حضاري في تراث هذه الأمة فاجأنا بفتاواه الغريبة عن الشعر والتي تناقلتها الفضائيات ومنها قوله: «إن قراءة الشعر أو حفظه أو روايته أو إنشاده محرّم شرعاً» ومنها: «لايجوز أن تشغلنا خمريات امرئ القيس وشطحات المتنبي وصوفية ابن الفارض عن القرآن» إذا كان استهداف امرئ القيس له مايسوّغه في الأوساط السلفية فمن أين جاءنا بمصطلح «شطحات المتنبي» وسأستعير قولة أبي العلاء وهو يرد على الشريف المرتضى:‏

لو لم يكن للمتنبي إلا قوله:‏

لك يامنازل في القلوب منازلُ أقفرت أنت وهنّ منك أواهلُ‏

مع الإشارة إلى أن أشهر شروح ديوان المتنبي كانت على أيدي فقهاء ومفسرين وعلى رأسهم الإمام الواحدي صاحب التفاسير الثلاثة للقرآن الكريم وهي: «البسيط والوسيط والوجيز». أتفهم استهدافه لصوفية ابن الفارض فهو ابن مدرسة جامدة ترفض أن تزدان اللغة بمجالي التأويل، وهل سُبّح الخالق بأرقى من قصائد ابن الفارض الذي غادر الدنيا وهو لايملك قرشاً واحداً بينما صار لداعية السعودية من الأموال ماينفاس فيه ولاة أمره، وتجاوزت شهرة كتبه العقد الفريد وهيام تاج العروس بأهل زبيد. الشعر سر صفاء النفس وعلوّ الهمة ونقاء السريرة، كان وسيبقى ديوان العرب، إنه نهرٌ جارٍ جارٍ أفتى هذا أم لم يفت ذاك، ولو خلد الناس إلى الشعر لتوقّف أزيز الرصاص وقعقعة السلاح وثقافة القهر والقتل والفتن، إنه لمن المدهش أن يُفتى اليوم باغتيال الشعر آملاً ألا يُفلح الجهلة بابتداع طرق جديدةٍ لتفخيخ آلياتٍ تدمّر أشرف ماأنتجه العقل العربي.‏

الفئة: 
الكاتب: