الله ياهذي القرى

العدد: 
14523
التاريخ: 
الخميس, 14 شباط 2013
الأبيات التي سأضعها بين يديك أيها القارئ الكريم هي من قصيدة قديمة ألقيتُها من على منبر المركز الثقافي في السقيلبية عام 1979م فيما أظن.

وكان الغاب وقتها منقسماً انقساماً سياسياً حاداً، كانت القصيدة تشكّل ترجمةً للبرنامج السياسي لأغلب الحضور الذين ملؤوا القاعة وقتها، وجاؤوا من كل القرى التي تحيط بمدينة السقيلبية كالقلادة في العنق أو السوار بالمعصم، كنت أظن وقتها أنني أسبح في المجاز والخيال وأبالغ في تصوير الخلل وسوء الأداء لأظهر بشاعة الممارسات التي كان يمارسها فريقٌ يسيطر على كل شيء آنذاك، كان الحضور يصفّقون بحرارة وأنا أعزف على أوتار جراحهم وأحكّ ظهورهم كما يقول المثل العامّي، لم يكن يخطر في بالي أن تلك الشطحات الشعرية ستكون بعد أكثر من ثلاثين عاماً حقيقةً واقعة وتصويراً فوتوغرافياً.‏

تلك القرى مشينا في دروبها التي لم تكن معبّدةً ونمنا على أسطحتها وتحدّثنا تحت ضوء القمر وحدّقت أعيننا بالنجوم التي ربطها امرؤ القيس بجبال الكتّان اللامرئية إلى الصخور الصمّاء في جبل يذبل، في تلك القرى كنّا أخوةً وأكثر أكلنا من لحوم الضأن فيها وشربنا اللبن العربي وأكلنا خبز التنانير والعنب البلدي الحلو المذاق، لم يكن في تلك القرى مدارس ولامستشفيات ولامستوصفات ولامرافق عامة ولابُنى تحتية ولاماء ولا كهرباء ولاهاتف، وكان من جملة طموحاتنا أن نرى هذا ماثلاً على الأرض، ومع مرور الأيام تحوّلت هذه القرى إلى كتل حضارية ودخلتها كل تلك الأشياء التي لم تكن موجودةً.‏

وتطور الناس فيها وتبوؤوا المناصب العليا في الدولة وصاروا أصحاب أمرٍ ونهي وغطّى الزيتون والتين والرمان تلالها القاحلة وفاضت غلالها وكان كل ذلك إيذاناً بسموّ النفوس وتعميق أواصر التواصل، فجأة تبيّن أن كل مايجري كان سباحةً في الفراغ وبناءً على الرمل وحصاداً للريح، بعد أكثر من ثلاثين عاماً أجد القصيدة تحتفظ ببريقها وطزاجتها وألق مشاعرها ولاأدري ماهو شعور من سيقرؤها من سمّار تلك الأيام إذا كانوا مايزالون على قيد الوطن أقول:‏

الله ياهذي القرى كم أحمقٍ يأتي ليسرقنا وكم محتالِ‏

الله ياهذي القرى كم جاهلٍ فيها وكم من أعورٍ دجّالِ‏

يعطي أبا لهبٍ حجارةَ مكّةٍ هبة ويفتينا بقتلِ بلالِ‏

وبحكم كوني شاعر البيت الواحد لاشاعر هندسة الحداثة التي يقول أحد شعرائها «في الأرض قملة توزّع علب السردين على لاعبي الشطرنج في إسبانيا» والنص مقتبسٌ من ديوانٍ حديثٍ له، كان يقاتل النظام بمثل هذه الحداثة وهو يقاتله اليوم بكل الأسلحة المرسلة من تركيا، أقول بحكم انحيازي للقصيدة العربية أستميح القارئ عذراً لأضيف للقصيدة هذا البيت:‏

إن الذي يجري «بكفر نبوذةٍ» مثل الذي يجري على عرسال‏

كفرنبوذة واحدة من القرى الناهضة التي كانت تزين الغاب وتمتد ذراعاها لتعانقا أفاميا وينعم أهلها بالرخاء والنماء وبالحيوية والحياة هي اليوم عرسال سورية.‏

وعلى ذكر عرسال التي لم أكن أسمع بها من قبل يوم كنت أعبر الطريق من حماة إلى زحلة عروس البقاع مروراً ببعلبك مدينة الشمس وغيرها من الحواضر الجميلة، كان الناس في الماضي يهابون الدولة وكان رجال الشرطة لايتجاوزون أصابع اليد وهم يأتون لإلقاء القبض على مطلوبٍ للعدالة، وفي هذه الأيام صارت وقاحة التمرّد على الدولة دفاعاً عن الإسلام وانتصاراً للحرية ورفضاً للاستبداد، في عرسال مجرمون لن أدخل في تفاصيل. جاءت قوة من الجيش لإحضارهم وفجأة شكّل التطرّف الإسلامي حاضناً ملتهباً لحمايتهم والدفاع عنهم، وعلى كثرة ماأُثير حول الموضوع وماسوف يُثار فإن أغرب ماوجدت وسمعت هو حضور جماعةٍ من هيئة علماء المسلمين من عكار أو طرابلس وقال المتحدث باسمهم وهو يمسح لحيته الناعمة: إن ماأقدم عليه الجيش من قتل للمواطن خالد حميد هو جريمة نكراء. لقد أقدم الجيش على قتل رجل مسلم مؤمن في وضح النهار وهو ذاهب لأداء الصلاة، أقول كفى وكل نفس مسؤولة عن سلوكها، كفى تحميلاً للإسلام سوء أداء المسلمين الذين أثبتوا بجدارة أنهم خارج التاريخ ولو أمكنني التواصل مع فضيلة الشيخ لسألته من أين تناهى إلى علمه أن هذا المهرّب اللص كان ذاهباً للصلاة فعلاً مع أن دستوره الإسلامي يقول إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، رحم الله مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده حيث قال:‏

وماهمّني إن قيل إنّ محمّداً أبلّ أم اكتظت عليه المآتم‏

ولكنّ ديناً قد رجوتُ صلاحهُ مخافة أن تقضي عليه العمائمُ‏

لقد آن الأوان لوضع العمائم على الرؤوس المشبعة بنور الإسلام وصفاء الإسلام وعبقرية الإسلام.‏

الفئة: 
الكاتب: