عن عيد الحب

العدد: 
14527
التاريخ: 
الخميس, 21 شباط 2013
مضى أسبوع على صرعة عيد الحب.. ولم يكن يخطر في بالي أن أعلّق على هذا الحدث الدخيل على ثقافتنا وصار صرعةً لاعلاقة لها بطقوسنا كالخيمات الرمضانية وانتشار الدعاة العشوائي،

لاأريد التعليق على عيد الحب لأنني لاأريد أن أحبس الحب في عيد ولا أن أقيّده في يوم ولاأريد أن أنسخه في وردةٍ حمراء وشريطةٍ حمراء وقبلةٍ حمراء، لم تعرف أمة في تراثها ضروب الحب ونقاء التعبير عنه كما عرفه العرب في جاهليتهم وإسلامهم وماخفقت قلوب بني البشر عبر تاريخهم الطويل كما خفقت قلوب عشّاق العرب، كانوا غايةً في النبل وغايةً في الأداء وغايةً في الوصف، أطلقوا العنان لخيالهم فصوروا المشاعر والأحداث وقالوا بكل مايتّسع به القول وكان كل ماقالوه ساحراً ومدهشاً، لم يتحرّج الشعراء والعشاق عن التغزل في حضرة النبي وخلفائه بل كان الخلفاء أنفسهم يصلحون بين العشاق ويصلون ماانقطع من حبال الود ويستقدمون العشّاق إلى قصورهم ويصغون إلى ماجادت به قرائحهم، ويطربون كل الطرب للصورة الجميلة والمعاني الموحية، امتلأت صحراء العرب بأخبار العشق وامتلأت دواوينهم بأشعار الحب وحض الناس بعضهم بعضاً على حفظ أشعار الحب والاستمتاع بها وتطيير الرسائل إلى القلوب الهيمى، لم يؤلمني في عيد الحب شيء كما آلمني هذا الهوس الدعوي الذي يدسّ أنفه في كل شيء ويجرّ الإسلام إلى شهادات الزور والانحدار إلى مالايليق به، كنت أصغي إلى شيخٍ أزهري وهو يصدر فتواه ومن جملة ماقال: إن الاحتفال بعيد الحب هو أخطر من مرض السيدا ويبدو أن ثقافة شيخنا الأزهري فرنسية فاستخدم هذا المصطلح ولم يستخدم مصطلح الإيدز وهو إنكليزي أمريكي بالتعبير عن المرض نفسه، أيّ تدنّ في إطلاق الأحكام التافهة والمقارنات البائسة علماً أن هذا العيد لم يشق طريقه إلا بالحدود الدنيا، وأدهشني شيخ أزهري آخر وهو يُفتي بتحريم كل ماهو أحمر وشطّ به الخيال وهو يترنّح يمنة ويسرةً وراء المنبر ليقول محرّمٌ على الفريق الرياضي أن يرتدي القمصان الحمراء وفاتني أن أتذكر ماإذا كان شيخنا الأزهري يضع على رأسه الطربوش الأحمر الذي هو جزء من تقاليد لباس الأزهريين وتصاعد الهوس مع ازدياد نبرات الصوت وحركات اليدين والجسم كله وخرج عن كل شرع الإسلام ليقول: كل رجلٍ يحتفل في هذا العيد فهو زانٍ وكل امرأة تحتفل بهذا العيد فهي مومس، اتق الله يارجل واتعظوا يامسلمي العالم، لقد كدت أبكي وأنا أنقل زر التلفاز لأشهد على محطة فضائية أخرى مذيعاً يجري مقابلةً مع زوجين طاعنين في السن وسأل المذيع الرجل ماذا أهديت زوجتك في عيد الحب؟ فقال مبتسماً ولحيته البيضاء تكسو وجهه مهابةً ووقاراً: لقد قبّلتها. ثم سأله ثانيةً: وماذا أهدتك هي؟ قال: لقد أهدتني خمسة شباب أسأل الله أن يسعدني بهم وأن يملأ بيتي حيويةً بوجودهم، ماذا يقول المرء في هذا الزمن الذي تمطرنا به آلات الغرب بويلاتها، ونحن نواجه العصر بفكرٍ بالٍ وأسلحةٍ رديئة وتحليق ولكن نحو الأسفل والأسفل كثيراً.‏

الفئة: 
الكاتب: