أبو الطيب وأبو فراس رأسان يتدحرجان

العدد: 
14531
التاريخ: 
الخميس, 28 شباط 2013
ليس للزمن جدار لأعلّق عليه قصيدةً أو وردةً أو صورةً لطفلةٍ فقدت أبويها. الزمن الذي هو نهرٌ جارٍ حمل كثيراً من الطمي وقليلاً من الصفاء، حاولت البشرية أن تقهره فارتدّت على أعقابها مدحورة، وكان كل جمالٍ استراحةً أخرى لقبح جديد. لن أحدثك عن سيفيات المتنبي التي خلّد بها أمير زمانه ولاعن حكمته التي ملأت

كل شيء ولاعن طموحه الذي لم يبقَ منه إلا رماد شعرٍ ومرارة، قالوا عنه مالئ الدنيا وشاغل الناس وكان كذلك، ولكن هذا المتنبي وعلى مقربة من بغداد عاصمة الرشيد الذي قال للغيمة ذات يوم: اهطلي حيثما شئت، فخراجك لي، وكان هذا ولكن على حساب الحق والمقهورين حيث يتناسل اللصوص والفتّاك والجهَلة كالفئران، على مقربة من بغداد وفي منطقة تسمى دير العاقول قُتل المتنبي على أيدي لصوصٍ جهلة وقطّاع طرقٍ مارقين وتبعثرت كتبه وأوراقه وانكسر سيفه وانهزم حصانه وعلى ذمة مَنْ روى الواقعة قال بوقاحةٍ: إنه مرّ بجثة المتنبي ورأسه منفصلة عن جسده وزعم هذا الراوي الوقح أنه رأى الزنابير تخرج وتدخل من منخريه وفمه وعينيه وأذنيه، ولم يثأر للمتنبي آخر ممدوحيه الذي توجّه بقصيدةٍ لم يكن حبرها قد جفّ بعد. وفي حمص واسطة عقد بلاد الشام وإرث خالد بن الوليد واستراحة الفاتحين وعلى مقربة من بلدة «صدد» حيث كان الأمير الحمداني أبو فراس والياً عليها، أبو فراس الفارس والعربي الأصيل والشاعر المتفوق صاحب الروميات قتله أعلاج الروم، أبو فراس الذي قال عنه أحد النقّاد بُدئ الشعر بملك وختم بملك يقصد امرؤ القيس والأمير الحمداني، وسواء أكانت تلك القولة كلمة حق أم رسالة إغاظة للمتنبي فإن الرجل كان فارساً كبيراً وشاعراً كبيراً، حاول أن يحافظ على إرث سيف الدولة وطموحه في إكمال تحصين الثغور ولكن خليفته الأحمق الذي آل إليه إرث أبيه انصاع لنصيحة غلام تركيّ حقير اسمه «قرغويه» كان يلعب بالملك الحمداني كما يلعب الطفل بالدمية شأن ممالك العرب في كل أزمنتهم، وواجه البطل الحمداني وطعنه من الخلف وحزّ رأسه وقال الرواة إن الرأس بقيت مرميةً في الفلاة إلى أن مرّ بها أحد الأعراب وواراها الثرى بالقرب من صدد.‏

المتنبي وأبو فراس ونهاية عز تجربة تتكرر دائماً حيث يعبث بهذه الأمة شذّاد الآفاق ولصوصها وعبيد سادتها وغلمانهم، فويلٌ لأمة لم تعرفْ أن تكتشف مرة واحدة كيف تحصّن العظماء وتلغي عند السَّفلة حسّ الطموح فيما ليس لهم فيه حق، ويل لأمةٍ كررت تجاربها آلاف المرات ولم تتعظ مرةً واحدة، وداعاً ياأبا الطيب، ووداعاً ياأبا فراس.‏

الفئة: 
الكاتب: