آذار وزحمة الأعياد

العدد: 
14539
التاريخ: 
الخميس, 14 آذار 2013
كنتُ قد وعدتك أن يكون لنا لقاء نوعي في شهر آذار وكنتُ أظنُّ أنّك ستستقبلني شاكراً لزعمي أنني سأجيئك بالبشارة وأنا اليوم أحاول أن أتوارى عنك لكي لاتواجهني بالشتيمة، إذ طالما اعتاد الناس أن يعتبروا الوعد حقاً لازماً وأنا أعترف الآن أن الوعد لن يتحقق، في زحمة أعياد آذار سأحتفي على طريقتي ولك أن تشتمني على طريقتك، في بوابة الربيع حيث ومن خمسين عاماً أعطت الثورة الأرض للفلاحين وأمّمت المعامل وكرّمت العمال واليوم يقتلع الفلاحون أشجار أراضيهم ويدمرون محاصيلهم ويحرقون مواسمهم. اليوم يفجر العمال معاملهم ويخرّبون مصانعهم ويحرقون محتوياتها ويهلّلون ويكبّرون كلما ارتفعت ألسنة اللهب وازدادت كثافة الدخان المتصاعد، سأقول لهم ماقال عمر أبو ريشة منذ سبعين عاماً:

ياشعب لاتشكُ الجراح ولاتُطلْ فيه نواحكْ‏

لو لم تكن بيديك مجروحاً لضمّدنا جراحكْ‏

في آذار يحتفل المعلمون بعيدهم دون أن يعترفوا أنهم لم يُحصّنوا الأجيال ولم يحقّقوا الحدّ الأدنى من المناعة وأن كتاباتهم على السبّورات «حب الوطن من الإيمان» كانت فقاعات في الهواء، ولهم أقول ماقلته من زمان:‏

ماذا عليك وإنّ خُلقتَ معلّما تسقي العطاش وأنتَ يقتلك الظّما‏

هُزمتْ مشاريع الحقيقة كلُّها والشّهد من كفّيك أصبح علقما‏

في آذار عيد الأم، ولن أسألها ماطعمُ الحليب الذي أرضعته للأطفال وهل كان مصلاً أم قيئاً أم رصاصاً وباروداً والاحتمالات الأخرى قابلة لألف سؤال وسؤال ولكنني أقول للأمّهات ماقلته لأمّي يوم رحيلها:‏

غريبةٌ أنتِ مثلي فاحضني كفني أنا وأنتِ بلا أهلٍ ولا وطن‏

في الخامس والعشرين من آذار عيد ميلادي وهو ملكي الشخصي ولكنني سأذيع لك الطريقة التي احتفيت بها في يوم ميلادي إذ قلت:‏

أشعلتُ شمعة حزن يوم ميلادي أنا الذي عشت عبداً بين أسيادي‏

كان هذا قبل أن تتسع دائرة الحزن ويصبح الوطن كلّه بركة دمٍ وكتلة نار وشلال ضغائن ودويّ رصاص وأوصالاً مقطّعة وليلاً يخترق الصمت فيه لصوصٌ وخفافيش وحسراتٍ حبيسة تتفجّر من حين لآخر.‏

سيختتم آذار نفسه بيوم اسمه يوم الأرض أُنشئ منذ حوالى أربعين عاماً كان مقرراً له أن يكون نقطة البداية للاحتفال بالأرض الفلسطينية واستعادة المغتصب منها شبراً تلو شبر، وهاهي اليوم تفتقد ماتبقّى منها شبراً تلو شبر ويجري تفتيش بيت رئيس السلطة ومؤسسات السلطة بانتظام ودون أي حياء، ويوم وقّع اتفاق أوسلو كتبت قصيدة ساخرة بعنوان «تداعيات عمرو بن كلثوم» أقول في مطلعها:‏

لماذا لايعود اللاجئونا أأكثرَ من أريحا يطلبونا‏

زوايا محصّنةٌ وتكفي لأعلامٍ ترفُّ ومخبرينا‏

كل هذا كان ومالم يأت بعد سيكون أشدّ سواداً ومرارة وعسى أن تكون نبوءتي هذه المرة في غير مكانها.‏

الفئة: 
الكاتب: