بالأبيض والأسود

العدد: 
14543
التاريخ: 
الخميس, 21 آذار 2013
جرار الطيب لاتعطي إلا المسك ونافخ الكير يلهث ليظلّ الجمر قادراً على الإحراق، معادلة يقينية كانت وبقيت وستبقى، اعرف الحقّ تعرف أهله واعرف الباطل تعرف أهله، قولةٌ لعليّ، مادت الأرض وزلزلت وانقرض البشر أو كادوا ولكنّ قولة الحق أرجعت التوازن إلى العالم، هزائم أهل الحق أكثر من انتصاراتهم ولو صار العالم بقدر رقعة الشطرنج سيبقى من أهل الحق من يعيد إلى هذا العالم القدرة على الاستمرار، قادم أوباما العدو اللدود لنتنياهو العدو اللدود للبشرية

جمعاء، كلٌّ من الرجلين عمل ضد الآخر في الانتخابات التي لم يفصل بينها سوى هنيهات من الزمن هنّأ نتنياهو أوباما بالهاتف ولكن سيد البيت الأبيض جاء ومعه طاقم بيته كلّه ليرتمي على قدمي السيد العبري ويعلن الموافقة التي رسمها لدمار العالم وإعادة تشكيله وإضافة صفحة جديدة إلى التلمود، فارس إسرائيل الجديد بوجهه الجديد ومطامحه المستجدّة التي أقلّها إلغاء العرب وذاكرة العرب ومسجدهم الأقصى وكنيسة قيامتهم والتخلّص إلى الأبد من ذاكرتهم والقدرة على الفعل، أهل الحق يتململون ويعانون قِصر مافي اليد وأما أهل الباطل فتجاوزوا كونهم شهود زور وسجّلوا أسماءهم في كتائب إسلامية الأسماء يهودية الأداء حتى العظم، إنهم يريدون خيبراً لافتح خيبر ويصلّون على محمد ويمارسون قتل رسالته، يتفنّنون في بناء الجوامع ويملؤونها بالفكر الفاسد والعبوات الناسفة وعائدات النفط التي خصص بعضها لحملة نتنياهو وبعضها لنبش قبر عمر المختار وتحطيم قبر أبي العلاء المعري وهدم الأزهر ومسجد الحسين والجامع الأموي ورمي رأس يوحنا المعمدان من على شرفة عالية في مخزن عالٍ في قطر الجديدة، أنا من أكثر الناس هوايةً لأفلام الأبيض والأسود التي أبدعها الفنّ العربيّ في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وربما السبعينيات، ليس محط إعجابي الممثلون والممثلات العمالقة الذين كانوا يمارسون أدائهم بحرية لا حدود لها وليس إعجابي بجمهور تلك الأيام الذي كان يتفاعل مع الفن الراقي بمعادلات كيميائية كاملة المقدمات والنتائج ليس إعجابي فقط بالمنديل الذي كانت تلوح به أم كلثوم فتهتز آلاف الرؤوس في دور الأوبرا وصالات المسارح وربما في شوارع القاهرة والإسكندرية وغيرها من عواصم العالم العربي وهم يصغون إلى صوت سيدة كأنه آتٍ من الأساطير وموسيقى كأنها حفرٌ على الأعصاب وكلمات تفوق في لفظها ومعانيها أرقى ما أبدعه الخيال العربي من شعر ونثر، عبر عصوره الزاهية كل هذا كان يجري والنسوة يمارسن تحرّراً منضبطاً لو قُدِّر له أن يستمرّ لكنَّا بالفعل قد عُدنا خير أمة أخرجت للناس..‏

في مثل هذه الظروف من الحالة التحررية كان الأزهر الشريف خلايا نحل تعجُّ بطلبة العلم ورجالات المعرفة الذين كانوا صورة لعلماء الأمة الأوائل في الفقه والنحو واكتشاف كنوز الأمة وتراثها وكانت إشعاعات الأزهر تضيء العالم من طنجة إلى حيدر أباد وكان كلَّما نبغ عالم يجد لزاماً عليه أن يأتي إلى أم الدنيا ليتشرف بصكّ اعتراف الأزهر بعالميته وعلميته.. قلب الدهر ظهر المجنّ وصار أحمد الأسير وارث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد الغزالي ومحمود شلتوت كانت الفتاوى الأزهرية تشعّ نوراً وتآخياً وترتكز على كتاب الله ورسالة محمد وسنته الطاهرة.. وتحوّلت على يديّ الأسير إلى حقد وبيع ضمير ومشاريع فتنة. كان رجلُ الدين صورة مُثلى للوقار في هيئته وكلامه وصار كاريكاتوراً توزّعه الشاشات وتحرّضه خفافيش الليل فيشطُّ أيّما شططٍ ويؤدي مهمته بأنكر الأصوات. الأبيض هو الأبيض والأسود هو الأسود ويبدو أن العالم لايحتمل إلا هذين اللونين وكثرة الألوان أدت إلى عمى الأبصار والبصائر. أنا مع الأبيض رغم الزحف المدهش للسّواد والظلام. تستطيع قطر وتركيا أن تبني مايفوق الأزهر مساحة والأمويَّ اتساعاً ولكن لن تستطيع أن تلغي التاريخ، وتستطيع جبهة النصرة أن تحطّم قبر أبي العلاء المعري وقد فعلها قبلهم التتار فعلها هولاكو وجنكيزخان. فعلها الصليبيون مراراً ولكن بدوي الجبل قال:‏

الدهر ملك العبقرية وحدها لا ملك جبار ولا سفّاح‏

وهذا الذي سيكون وسوف أختم قولي بمقطعٍ من ديواني (الممكن والمستحيل) إذ أقول:‏

سوف أبقى تحت هذه الشجرةْ‏

مليونَ عامْ‏

أو يقولوا‏

شطر البحرَ إلى نصفينِ موسى‏

ومسيحُ الأرض قام‏

وهذا الذي سيكون أيضاً.‏

الفئة: 
الكاتب: