رسالة إلى عامر

العدد: 
14547
التاريخ: 
الخميس, 28 آذار 2013
أيْ بني! أبعث إليك هذه الرسالة وأنا أعلم أنك تنتمي إلى جيل صار الإنترنيت والكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة مصدره الأساس للحصول على المعرفة والخبرة وماتهيء هذه من معلومات، ولكنني أعرف أيضاً أنك تحبّ المتنبي وتحفظ له الكثير ومن ذلك الكثير قوله:

أعزّ مكان في الدُّنى سرجُ سابحٍ‏

وخيرُ جليسٍ في الأنام كتاب‏

وإذا كان العرب قد أجّروا سروج خيولهم وغرّاتها وأغماد سيوفهم وتاريخها لأمريكا فدعنا نتوقف عند شطر بيت المتنبي ونتلمس الخير في خير جليسٍ على ذمّة المتنبي وإن كنتُ لاأعرف ماالفكرة التي اشتعلت في خاطر مالئ الدنيا وجاء بهذا البيت في واحدةٍ من أروع قصائده في مدح كافور الإخشيدي ومطلعها:‏

منىً من لي أنّ البياضَ خضابُ‏

فيخفى بتبييض القرون شبابُ‏

وهو سرٌّ يُضاف إلى جملة أسرار المتنبي في حياته وشعره، سأزجي إليك هذه النصائح في فضاء خير جليس وإن كنت أعلم أيضاً أنك قد أنجزت كثيراً مما أدعوك إليه رغم أنك تسلك في الحياة سبيلاً آخر أحمد الله أنه لم يحلْ بينك وبين حرصك على الإكثار من هذه المجالسة، أعرف أنك قلّبت الكثير من الكتب الراقدة في مكتبتي وهي طوع يديك وأنت خير وارثٍ لها ولكن العلم لايُحصر في عمر وأعمار مهما امتدّ الأجل واتّقدت الحافظة واتسعت الشهية ولذلك أرجو أن توجز وقتك في الخيارات الأهم: عليك بالإكثار من قراءة القرآن الكريم والتبصّر بمعانيه ومعرفة مدلولات ألفاظه واكتشاف الفارق بين التأويل والتفسير وأنصحك هنا بالاستعانة بالكشّاف للزمخشري فهو صاحب سبقٍ في هذا الميدان وصاحب رؤية تُغني ثقافتك وتجلو لك الحقيقة الغامضة، اقرأ نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب ففيه البلاغة كلها، فيه إرث العرب وكتاب الزهد وألق التصوير ورسم الحدود الفاصلة بين مالك وماعليك ورحم الله جامعه الشريف الرضيّ الذي أعمل عبقريته في الاختيار والترتيب وأخذته عزة الاعتداد بالنسب فتمثّل بقول الفرزدق قائلاً:‏

أولئك آبائي فجئني بمثلهم‏

إذا جمعتنا ياجرير المجامعُ‏

ومن للناس بنسب كنسب الشريف أحد جديه رسول الله وإحدى جداته فاطمة الزهراء، إقرأ ماترك لنا أسلافنا من تراثٍ أدبي ومجاميع حوت بين دفّاتها عصارة أفكار المبدعين وخلاصة جهود العاملين،اقرأ الملاحم والأساطير وعليك بأساطير الشرق كالبابلية والسومرية وإقرأ أساطير اليونان وملاحمهم كالإلياذة والإنيادة، إقرأ فلاسفة اليونان وفلاسفة الإسلام، إقرأ أشعار المتصوّفة وأخبارهم ففيها من المتعة وارتقاء النفس مالا يقدر بثمن وأكثر من قراءة محيي الدين بن عربي والمكزون السنجاري وسلطان العاشقين ابن الفارض الذي سكر بخمرة الحب قبل أن يُخلق الكرم وطوى المفاوز والصحارى ليصل إلى محبوب لايشبه بني البشر، إذا فرغت من ذلك كله إسأل نفسك على أي أرض تقف ومن أي نبعٍ تشرب وتحت أي شجرة تستظل وأنا على ثقة أنك ستكتشف أن الحصاد كثير والغلال وافرة وأن التعب لم يذهب سدىً وأذكرك ببيت شعر لي ربما كنت تحفظه عن ظهر قلب:‏

ماضاع عمرٌ ضاع في طلب العلا‏

إن المتاعب للخلود مُهورُ‏

إذا اكتشفت أن خزانتك امتلأت بالدرر فلا تأخذك عزة النفس وكنْ متيقّناً أن الرؤوس الفارغة هي التي تتطاول نحو الأعلى وأذكرك أيضاً بما قلته يوماً في تأبين فيلسوف حماة «سهيل عثمان»:‏

عجبتُ وزاد أسئلتي اغتراباً‏

سنابل ينحنين بغير حبّ‏

أرجو لك التوفيق، ولاتوفيق يفوق عشق المعرفة وممارسة ذلك العشق بما يرضي الضمير ويصنع السموّ الحقيقي.‏

الفئة: 
الكاتب: