أمريكا وطالبان

العدد: 
14550
التاريخ: 
الخميس, 4 نيسان 2013
في محاكم التاريخ ترتدي أقفاص الاتهام ستائر سوداء ويُسمح للمجرمين أن يبدلوا أثوابهم وهم على المنصّة وأن يبدلوا كلماتهم من محاضر الاستجواب.

في محاكم التاريخ تُباد حضاراتٌ بشهود زور وتُكتب صفحاتٌ بأيدٍ مأجورة وأقلام مزوّرة وحبرٍ سريّ ومسدسات كاتمةٍ للصوت. في محاكم التاريخ يُهرَّب المجرمون من زنزاناتهم وتُقطع رؤوس القضاة, وتفصّل رؤوس على قدِّ الأجسام وعقولٌ على قدّ الرؤوس وتُهمٌ على قدّ المتَّهمين. قلتُ من زمنٍ ولكنكم لم تسمعوا.‏

الناس في الشرق لا يسمعون وإذا سمعوا لا يصغون وإذا أصغوا لا يعقلون وإذا عقلوا لا يفعلون وهنا ذروة الكارثة. تعمل أحاسيسنا أدلاّء لتقودكم إلى مناهل الماء فتأبون إلا الغوص في الوحل والاغتسال بالطمي ثم تمسحون ماتبقّى من رؤوسكم بالطيب والكسل والطمأنينة. تاريخكم يُشنق وأنتم تنظرون, أجسادكم تُعرَّى وأنتم تضحكون وتضحكون كثيراً. من سنواتٍ هُرِعَ قرضاوي الأمة باكياً ليتشفّعَ لتماثيل بوذا عند طالبان ولكنه لم يخجلْ وقد حمل في عنقه وزر تحطيم تمثال أبي العلاء المعري. من يومها كان الشعر رائزاً وكان يتغلغل في الأعماق ولا عذر لمن لم يكن يرى. اليوم تحتضن قطر جرائم الدنيا وليس أكبرها عقد اللقاءات المتلاحقة لتسليم أمريكا أفغانستان إلى طالبان من جديد. ما قلته منذ أكثر من عقد أكرر بعضه اليوم. يومها جاءت القصيدة قصيرة التفاعيل, ساكنة الرويّ, مُكَلَّلةً بنون الأسى والأنين:‏

أنا ضدُّ أمريكا ولكنْ لا أحبُّ الطالبانْ‏

هذانِ مهما قيلَ إنْ هذان إلا ساحران‏

متناقضانِ وربّما في لحظةٍ يتوافقان‏

متوازيانِ ويلتقي في المطلق المتوازيان‏

والجهل والطغيان في كل المذاهب توأمان‏

أخجل إنْ أحسستْ أنكم بحاجةٍ إلى شطر بيتٍ واحد لتقتنعوا. هذا المشهد العلني ستتبعه مشاهد ولم يكن غائباً عن بالي استحضار المتنبي وهو يتأوه غريب الوجه واليد واللسان. غربة تتجدَّد وتتجذّر في أمةٍ تتقزّم وتتكسّر أغصانها وينخر جذورها وجذوعها سوسُ الماضي الذي كان إصرارنا دائماً على اختيار أسوأ مافيه وجاءت الطامّة يوم صار شُذاذُ الأمة دعاتَها وأصحاب الفتيا فيها وقد قلتُ في تلك القصيدة:‏

والفقهُ يمعن في الفتاوى وهيَ فاقعةُ الدّهانْ‏

هذا ما جرى وهذا ما سوف يجري. تصغر المطامح وتتسع الهوّة وتغيمُ الرؤية ويصير البقاء للأسوأ و الأردأ ما لم تحدث المعجزة التي يجب أن يبقى الرهان عليها دائماً. معجزة يصنعها إنسان هذه الأرض معيداً ومستعيداً جسماً سليماً وعقلاً سليماً.‏

الفئة: 
الكاتب: 
د. رضا رجب