العثمانيون الجدد

العدد: 
15022
التاريخ: 
الأربعاء, 6 أيار 2015
تنطلقُ السياسة التركية إزاء منطقة الشرق الأوسط عموماً وسورية خصوصاً من الدوافع والتطلعات والأهداف الاستعمارية المسيطرة على العقل العثماني الممثَّل في حكومة أردوغان. لا من الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الحرية والديمقراطية كما يدّعي (السلطان العثماني)، فالإمبراطورية العثمانية التي يحلمُ أردوغان بقيامها لا تختلف في مفاهيمها وغاياتها عن تلك التي أقامها أجدادهُ منذ مئات السنين، وكما عزف أجدادهُ على وتر الدين وجعلوهُ مطية لتحقيق سياساتهم العدوانية، ومبرراً لجرائمهم الوحشية التي ارتكبوها بحق شعوب المنطقة، وسلاحاً لتغييب العقول وطمس التراث وتشويه التاريخ وتحريف الإسلام وتفريغه من قيمه السامية ومضامينه العالية، ووسيلة ناجعة لسرق الثروات وإشاعة الجهل وتمزيق الأمة وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية. وهم الذين لا دين لهم ولا يؤمنون أصلاً لا بالإسلام ولا بغيره من الأديان مثلهم مثل الفاسق المتنسك الذي يوظف تنسكه في خدمة شهواته وغرائزه الحيوانية. يعزف أردوغان اليوم على وتر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي لا يسمح لشعبه أن يتمتع ولو بأبسطها في محاولة دنيئة لإحياء ذاك التاريخ الملطخ بالدماء والمشهور بالفساد والتآمر والخيانة. فسلطان اليوم لا يختلف عن سلاطين الأمس إلا بالمظهر، وأهدافه التي يسعى لنيلها هي نفس الأهداف التي قامت عليها إمبراطورية الأجداد، وإن اختلفت الصيغ وتنوعت المبهّرات. ومن يراقب السياسة التركية وتطلعاتها الإقليمية الدفينة لا يصعبُ عليه معرفة حقيقتها وحقيقة دورها الوظيفي في الاستراتيجية الغربية القائمة على إعادة المنطقة إلى عصور الظلام عبر إشعالها بحروب وصراعات إثنية وعرقية وطائفية ومذهبية خدمة للمشروع الإمبريالي المعدّ للمنطقة وللمصالح الصهيوأمريكية التي لا تقيم وزناً لحياة الإنسان ولا لكرامته وحقه في العيش بأمن وسلام. ولا لحرية الشعوب، ولا لمقدساتها وقيمها وحقوقها في السيادة والاستقلال والنماء والازدهار.

ومما لا شك فيه أن جنون السياسة التركية والوحشية التي تبديها تجاه الشعب السوري والدولة السورية يعود إلى عوامل عدة أهمها:‏

انهيار حلم العثمانيين الجدد بعدَ فشل رهانهم على أنَّ الغرب سيتدخل عسكرياً في سورية من أجل تغيير حكومتها والقضاء على النظام السياسي فيها والإتيان بحكومة موالية لتركيا عمادها الإخوان المسلمون على غرار ما جرى في ليبيا ومصر وتونس.‏

سقوط رهانهم على انقسام الشعب السوري إلى مجموعات مذهبية وطائفية وعرقية متحاربة وانهيار الدولة السورية نتيجة الحصار الاقتصادي الظالم المفروض على الشعب السوري من قبل دول البغي والاستكبار والعدوان.‏

سقوط رهانهم على إضعاف محور المقاومة وتفككه نتيجة انشغال كل دولة فيه بمسائل أساسية تهمّ أمنه واقتصاده.‏

فشل أحلافهم في المنطقة بتحقيق أي من الأهداف المرسومة وخاصة الحلف الخليجي وعاصفة الحزم في اليمن. يضاف إلى ذلك فشلهم الذريع في جمع شتات من يسمونهم (معارضة) على برنامج أو رأي أو هدف موحد.‏

الأمر الذي دفع بالحكومة التركية إلى الانتقال من التمويل والتسليح والتدريب للعصابات الإرهابية وتسهيل عبورها إلى الأراضي السورية إلى المشاركة الفعلية في العدوان على سورية كما حدث في إدلب وجسر الشغور ظناً منها أنها تستطيع بذلك إحداث خرق عسكري وسياسي في الجبهة السورية يمكنها من خلق تغيير استراتيجي يمهّد لها الطريق لفرض شروطها وتحقيق مآربها. إلا أن حساباتها ارتطمت بقلعة الصمود والبسالة التي يشكلها جيشنا البطل وشعبنا المغوار وراحت تتهاوى تحت أقدام حماة الديار. وما هي إلا أيام معدودة ستطهر إدلب وريفها من رجس الأنجاس والأرجاس وتعود إلى حضن الوطن الدافىء وتعود بنفس الوقت حسابات العثمانية مع أصحابها إلى مزابل التاريخ.‏

الفئة: 
الكاتب: