قولاً واحداً : الحب .. وألم الناس !!

 تخرج من بيتك - قاصدا ً عملك - سعيدا ً ، فأنت َ لمَّا تزل سليما ً معافى ، وروحك لمَّا تزل طفلة شقراء زرقاء العينين ، لم تتلوث بملوثات العصر الأخلاقية بعدُ ، ويتردد في أعماقها – وأنت بالطريق - صدى أغنية فيروزية صخابة بالحب والحبور والبنفسج ، فتقول : اليوم سأكتب عن الحب ، فقد وطدَّت َ نفسك على محبة الناس .

 

ولكن ، في كراج الانطلاق تبدأ معركتك مع الحياة ، فلكي تحظى بكرسي في أي سرفيس من سرافيس سلمية المتجهة إلى حماة ، يجب أن تتدرب على الجري السريع ، والمصارعة ، ويجب أن تدرب روحك على الوقاحة كي تجابه بعض السائقين الذين يفرضون عليك أجرة زائدة ، أو يشعرونك بالمذلة   لإيصالك إلى ساحة العاصي !!.

وفي السرفيس تسمع قصصا ً شتى ، عنوانها العريض ( الألم ) ، فهذه موظفة أحيت الليل بانتظار مياه الشرب – التي لم تزر بيتها منذ 22 يوما ً – وضاع انتظارها سدى ، وذاك الموظف لم يدع مسؤولا ً في مدينته إلاَّ وطرق بابه شاكياً من تأخر لجنة حيه بتوزيع / 100 / لتر من مازوت التدفئة لسكان الحي كله ، فالشتاء على الأبواب ، والوقت مناسب لتعبئة المازوت لمن يرغب من المواطنين قبل اشتداد الأزمة التي تفتعلها اللجان والمستفيدون منها !!
 وتلك الموظفة المتقاعدة تشكو من ارتفاع أسعار الدواء مؤخراً ما نسبته 57 % ، فراتبها التقاعدي / 22 / ألف ليرة ، كانت تنفق منه / 12 / ألف شهرياً ثمنا ً لدوائها التي لا تستطيع عنه استغناء ً ، واليوم صارت تنفق / 18 / ألفا ً  فقط لاغير !!.

وذاك يتألم من عقوق ولديه له وللوطن ، فقد باعا كل أملاكهما وهاجرا إلى السويد ، وتركاه وأمهما وحيدين  يقتاتان الذكرى ، بدون أي مبرر للهجرة ، سوى / البرستيج / الاجتماعي !!.

وتلك الصبية الجميلة المشغولة بـ / الواتس / منذ انطلاق السرفيس ، والتي كانت تحلم بفارس يخطفها على حصان أبيض ، ويهرب بها إلى كوكب مجهول لا يأفل قمره ولا تذبل جورياته ولا تجف ينابيعه ، لم تعد تحلم به – تقول لك – بل تقبل بأرمل حتى لو كان لديه خمسة أولاد ، شريطة أن يكفيها روحياً وماديا ً وتقول لك بحسرة : / أستاذ ما عاد في عرسان بالبلد ، الواتس بيسلينا / !!.

 تصل إلى عملك  حزينا ً كأغنية عراقية ، ومع ذلك تحاول الكتابة – لطبع فيك – عن الفرح ، ولكن ألم الناس يغلِّف كلماتك ، فأنت منهم أولا ً وأخيراً ، ومهما حاولت أن تنفي ذاتك  في عرزال بغابة ياسمين ، أو بعينين مدهشتين ، أو بجزيرة على قمر ، فلن تستطيع ، لقد جُبِلتَ على محبة الناس والكتابة عن آلامهم .

 

الكاتب: 
محمد أحمد خبازي
العدد: 
15100