مدارات أميرة البلاد النائمة

العدد: 
15460
التاريخ: 
الخميس, 16 شباط 2017

لم تكن تمثل لي رجل أحلامي، لم تكن ذلك الكتف الذي أستند عليه في الملمات، أو ذلك الصدر الذي أرتمي بين أحضانه في لحظات العشق الطاغية
لم يكن من الممكن أن يربطنا الانتماء، فالوطن بالنسبة لي مركز الحياة، وبالنسبة لك جبهة حرب لتحقيق انتصاراتك المادية والاجتماعية والنسائية
كنت تسمع عني الكثير، وأنا اﻷميرة بين النساء، كنت تظن، بل كنت متأكداً أنك البطل اﻷسطوري الوحيد الذي سيحتل عالم أحلامي وقصص عشقي
أول مرة فاجأتك خطواتي ترسم طريقها بالقرب منك شعرت بإعصار يقتلعك من كل ما حولك، حتى من نفسك، من جسدك المنتفض، ضاعت عليك اللحظة، ولم تستطع أن تستثمر الفرصة ﻹظهار مهاراتك العشقية.
أدرت لك ظهري ونشوة غامرة تحلق بخطواتي على نغمة دقات قلبك، مبتعدة عنك كسراب يتلاشى كلما اقتربت منه.
لم تكلف نفسك عناء البحث عني، بل كنت تتصيد الفرص وتقتنصها اقتناصا".
كم سمعت عنك اﻷحاجي واﻷلغاز، وكم خلقت في داخلي وطناً متسعا" للوجع والبكاء
كنت دائماً أريد حرمانك من رؤيتي، حرمانك من الشعور بوجودي، لهفتك ﻻمتلاكي تبعدني عنك أكثر
لم أكن أريدك، لكنني أريد أن أكسر عنجهيتك الواثقة، أريد أن تشعر بعظمة انتمائك إلى قلب يعشق الوطن.
أمام باب المقهى ودعت صديقتي، التفت، وجدتك أمامي، بضع خطوات تفصل بيننا، شعرت بسكين تخترقني، لقد خانني القدر، عيناك تهاجم عيني بشراسة، تشعل النيران في مدني، بخباثة كل الرجال لإثبات وجودهم في عالم عشق المرأة، بلذة المنتصر الواثق قبل دخول المعركة،فالوطن وأنا وكل ماتريده مجرد جبهة وانتصار.
هنا توقف الزمن بيننا، ودون دراية منا رحلنا إلى عوالمنا اﻷبعد عن بعضنا.
في البداية اشتقت لوجودك، كنت كل ليلة أترك طيفي يسافر إليك من عالمي اﻷبعد إلى عالمك اﻷبعد، محملاً بتعاويذ عشقية حيث يلتقي بطيفك ويتلو عليه تعاويذه ليرقصا معا" رقصة أبدية وهما يحلقان فوق كل اﻷوطان.
ورسم النسيان خطواته على اﻷيام والسنوات، وبقيت اﻷميرة بين النساء، اﻷميرة النائمة التي تنتظر قبلة أمير شجاع يشعل جذوة الحياة في قلبها وروحها.
واختنقت البلاد بحالة رهيبة وغريبة من الحرب والموت، ثمة إحساس مبهم في كل ما يجري من حولي...
تعرفت عليها مصادفة وكأن اﻷقدار تريد أن ترميني في متاهات أكثر، أخبرتني كم كانت تحبه وهو المختلف عنها في كل شيء، أخبرتني عن حبها الذي يفضي بها إلى أفكار وأحاسيس محرمة بحق العرف والعادات وكل ما تحمله نشأتها من قيم ومعتقدات، قالت بأنها سوف تهرب معه...
بعد فترة طويلة قابلتها، كانت حاملاً، تزوجت، والمفاجأة حينما أخبرتني بمن، تزوجت من ذلك الرجل الذي اختارته عائلتها لها، صاحب الاتجاه المعاكس لحبيبها.
قلت لنفسي:ربما هي ضغوطات العائلة والواقع..
لكن قناعاتها المتغيرة، واعتزازها ببطوﻻت زوجها أعادتني إلى دوامة الإحساس المبهم لكل مايجري من حولي!...
وتوالت المصادفات في حياتي، انتقال أشخاص من جانب إلى جانب، ومن قناعة إلى قناع.
واليوم جئتني من عالمك اﻷبعد، ﻻ أدري لماذا أشعر برجفة البكاء في صوتي وجسدي؟!.. حالة طاغية من الحزن العميق تشدني إلى حالة الإبهام تلك.
في الماضي كنت بطلا" في إحدى الجبهات، اليوم إلى أية جبهة تنتمي؟... أية بطولة تقوم بها؟... كنت قد تزوجت، لكنك مازلت تريدني، نظرت في عيني، لم أكن أعلم عظمة قدرتي على استلاب العقول والعيون، حاولت جاهداً أن تبعد عينيك عني وأنت الذي كنت تقتنص الفرص اقتناصا"، مازلت انتهازيا" مغرورا" ومازلت اﻷميرة بين النساء، أميرة ﻻ تعرف القسوة أو السرقة، وأدرت لك ظهري، لن تراني بعد اليوم، لن تقبلني قبلتك السحرية، ولن أستيقظ إﻻ عندما تستيقظ وتستيقظ البلاد.......

 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
لما عبدالله كربجها

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة