في ذكرى رحيله يوم السادس عشر من آذار صدر الدين الماغوط شاعر حمل هموم الناس والوطن

العدد: 
15481
التاريخ: 
الاثنين, 20 آذار 2017

 زيوس ) أسم أطلقه على نفسه  هذا الشاعر المهاجر دوماً في حياته وشعره ، ولم يلتزم به طويلاً ، فنسي الناس اللقب وترسخ الاسم ، بعد أن جد الشاعر في مسيرته الشعرية التي خطها لنفسه ، وتعرض بسبب جرأته وبعض ألفاظ نشاز أصر على استخدامها في مقاطعه النثرية ـ الشعرية إلى انتقادات لاذعة لم تصرفه عن أسلوب تميز به في كتابة قصيدة النثر .

شغلته في سنوات عمره الأخيرة ، وقبل أن يقعده المرض ، أعمال الصحافة والتحرير إدارة وكتابة ، لكنه لم ينس الشعر ، رغم أنه لم يصدر أي عمل شعري بعد مجموعته ( سقوط كومونة العصافير ) الصادرة عام 1996 ، إلا أنه أطلعني في خلال زيارتي الأولى والأخيرة له ، قبل وفاته بأشهر قليلة ، على مخطوطات قال: إنه سيدفع بها إلى النشر قريباً ، لكن القدر لم يمهله طويلاً ، فغادر الدنيا في 16- 3 - 2006 ، وصدرت بعد ذلك بعدة سنوات، وتحديداً في عام 2010 أعماله الكاملة بعنوان ( صدر الدين الماغوط شاعر الفتوة والتمرد ) وقد ضمت مجموعاته ( أقبية الدم – أسميك زمن الخوارج وأنتمي – سقوط كومونة العصافير – كلنا في الأرض مشروع خيانة، إضافة لبعض آرائه وما كتب عنه ) .

في عمله الأول ( أقبية الدم ) الصادر عام 1968 والذي تعود قصائده إلى عامي 1961 ـ 1962 حسب إعلانه ، يصفعك العنوان ويدفعك للدخول ، فيعلن الشاعر تفرده وإغراقه في ذاتية غير خفية من خلال تصريحه أنه لايريد أن يهدي هذا العمل إلى أحد ( لاإهداء ) وعدم وجود فهرس في آخر صفحاته معلناً أيضاً : لماذا طالما نحن الفهرس والإهداء ، كما أصر أنه لاضرورة لجدول الخطأ والصواب ، المهم أن تصل الفكرة حتى وإن كان هناك أخطاء .

وتبدأ قصائده الحبلى بالجوع والبصاق والعطش والدمامل :

 

عندما نجوع .. نكتب

كل مايقال وماسيقال ..

وعندما نفشل .. نبصق على أنوفنا

ونضحك بملء أشداقنا

نشعر بالعطش والصهيل ..

ونجود بالخراج والدمامل ..

 

ثم يصعد من لهجته وهو يخاطب سارق الموتى :

 

ترضع لبن أمي خلسة ..

تسرق طعام الرضع .. لتطعمه لذوي اللحى المتهدلة

كأكياس القنب

والشوارب المعقوفة .. كأذيال السياط ..

 

ولم يسلم قادة العالم من لسانه الذي يصرخ مفجوعاً :

مئات الملوك ينتظرون أوبة المدد

وألسنتهم المعفرة بالطحين

تتناثر كالبثور على وجه التاريخ ..

 

كما يصر على جلد الفضاء في إحدى نبضات الثورة والتمرد عنده :

 

كم أود أن يكون العالم .. جرذاً يدغدغ قدمي

لأجلد الفضاء .. وأخرج من عيون الشمس كالمحار..

أجتر الرعاف كالزيت ..

 

ونستطيع أن ندرك ببساطة أن بؤس الشاعر من بؤس وشقاء الأهل :

 

حتى حدبة أمي .. وبثور والدي..

مغموسة بالعجين .. ومخاط الماعز ..

هناك ..

حيث الشقاء .. والبؤس يعمان ..

كجبال للضراوة .. والعطاس

 

ويعود للتعلق بضفائر أمه أملاً بحنان وشبع مفتقد :

 

أماه ..

أيتها الأصابع المكسوة بالشعر والمرهم

دعيني ألتحف أحشاءك ..

كما كنت طفلاً .. وخبيثاً ..

وأوغل أسناني بشرايين المعدة

حيث الأكل والشبع

وبعدها ألملم سروالي

نحو الشمال اتجه ..

مشنوقاً بضفيرتيك المطليتين بالحنة ..

 

وبحناجر أقبية الدم يهتف في نداء رضيع انتزع اللبن من فمه ورضع البصاق والدم :

 

إليكم أقول ليس باسمي

بل باوتار حناجر أقبية الدم

نريد دماً .. وطاعوناً ..

رصاصاً ..

ولفائف تبغ رديء

لاشعراً يلصق على الجباه ..

ويداس بالنعال ...

 

وهو إذ يعلن دوماً أن قلبه يزهر بالثآليل في وطن مشنوق ، وأن الجوع ينبض في أحشائه ، ورأسه ينهدل كجيش يرتد مقهوراً ، يعلن في نشازاته المعهودة أنه يود أن يفعل شيئاً من أجل هذا القهر :

 

أود .. لو أتفل كيساً

من البراغيث .. والوجوه .. والألوية ..

لتقذف كالخرق الملآى بالدم ..

من القطارات المنهوبة ..

 

وإذا كانت الأفاعي لاتوجد في داخل المدن لأن السم رحمه ـ حسب قول الشاعرـ  ( والبحر أرمل  يتلفح كالأمهات الخاملات ، ونحن جميعاً بلابل مخدرة بالأقفاص الذهبية ومواسم العطاء كربطات الأعناق .. فذلك لأن الوطن يحتضر وليس بجانب رأسه سوى صندله .. )

 

في مجموعته الثالثة ( أسميك زمن الخوارج وأنتمي ) الصادرة عام 1983 ، يدافع الشاعر عن الوطن كل الوطن :

 

إنني قاتلت دفاعاً عن الأسوار

التي بناها الأجداد وماتوا تعباً

وجوعاً تحت ركامها ..

 

ويعلن في سؤال وجه له عن اللغة التي يتقنها أنه ( يجيد العامية ويلم قليلاً بالفصحى وقد أسقطوه في دروس الإعراب ..)

ولطالما أعلن أنه ( يرتدي عباءة بدوي أدمن قهر البوادي وذل المدن .. ) .

وينسج بلغة بسيطة قريبة من لغة العامة :

 

إيه .. ياهذا الزمان ..

لاترحل دون المرور على موانئ خوفي

أخ يالئيمة

انتظرناك طويلاً

وحين فاجأتنا بوداعك المروع

سقطنا كالجسور البالية

رغم الدعامات التي تسندنا ...

 

وفي مجموعته الرابعة ( سقوط كومونة العصافير ) نشم رائحة الخيانة والموت والوصايا والأكفان  :

 

زمن للحب

وآخر للخيانات الوضيعة

هو الموت يرمم آخر الأجزاء

فلا اليد تصافح أختها

ولاالعين تستر ماتشوف

عائد من جبانة الأحباب

وعلى كتفي بقايا كفن

بعدما حوم حولنا

هودج الموت ..

 

ويعود الشاعر إلى نفسه ، إلى سنين عمره الفائت ، فيحس بالخيبة والإنكسار :

 

أمضيت عمرك ..

وأنت ترتق ثقوب زمانك

ومداميك بيتك تكاد تنخلع ..

فلاصمودها في وجه العواصف يفيد

ولاجسدك قادر على الاحتمال ..

 

هو ذا الشاعر الراحل ( صدر الدين الماغوط ) ، وقد صور مآسينا ودغدغ أحلامنا ، وأضاء بعض أمانينا ..

اعتمد البساطة واهتم بالعبارة والجرس الموسيقي ..

استخدم بعض ألفاظ تعيش في حياتنا اليومية ، تصدمنا في البداية ، ثم لانلبث أن نعي وجودها ، وقد جسد في نشازها الكثير من همومنا التي قد لانجرؤ على التعبير عنها بلغة مشابهة ..

رحل الشاعر قبل أن تتحقق أمانيه ، رحل قبل أن يكمل دروب حياته المكفهرة ..

ضاق ذرعاً بهموم الوطن وأبناء الوطن ، واعتل جسده وذاكرته ، ثم ركب هودج الموت وراح إلى جبانة الأحباب ....

 

 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
محمد عزوز

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة