هكذا كان !..

 كان المعلّمون والمدرّسون والموظّفون وحملة الشهادات  عموماً... هم النخبة المثقفة في كلّ المجتمعات, كان لهم حضورهم القوي, ورأيهم المسموع, وكلمتهم المبجّلة , ووجهة نظرهم التي تقابل  بكل التقدير والاحترام.. كانوا إذا حلّوا  في مجلس التفّ الجميع حولهم, وإذا مرّوا في طريق بادرهم الجميع بالسلام, وإذا دخلوا دائرة أو مؤسسة سارع الجميع إلى خدمتهم, وإذا ارتادوا دكاناً  أو مخزناً ترك الباعة كل أعمالهم, وتوجهوا إليهم يسألونهم عما يريدون!.

  ـ وكان لقب ( أستاذ)  مقتصراً عليهم فقط , كان له وقعه المحبب, وتأثيره السحري, وموسيقاه  اللافتة, ولحنه الرائع... جاء الأستاذ, ذهب الأستاذ, هكذا قال الأستاذ , أهلاً وسهلاً بالأستاذ, كيف رضاه علينا الأستاذ!!.... كان الأستاذ مرجعاً في المعلومات السياسية والاقتصادية , ومعلّماً  في القضايا الفكرية والاجتماعية، ومصدراً موثوقاً لما يجري من أحداث محلية وعربية وعالمية، ومؤتمناً على أسرار أهله وأقربائه وجيرانه، هو الذي يحلّ مشكلاتهم, وهو الذي يجد لديهم آذاناً صاغية، وقبولاً  قلّ أن يعادله قبول!..

 ومن الطبيعي أن يكون ( للأستاذ) هذه المنزلة, وتكون له تلك الخصائص والميزات والصفات.. فهو الإنسان الذي أضاع كل طفولته ونصف شبابه في تحصيل العلم, وهو الإنسان الذي لايكف عن مطالعة الكتب وحضور  الندوات والأمسيات والمحاضرات , وهو الإنسان الذي لايتوانى  عن متابعة نشرات الأخبار وملاحقة مايجري في هذا العالم من تطورات ومستجدات وأحداث .. فهو العالم المتعلّم, والدارس المدرّس, والآخذ  المانح..

 ـ وكان ( الأستاذ) يعيش في بيت ( يملكه) ، مثله في ذلك مثل سائر  عباد الله, وكان لايخرج من هذا البيت إلا وهو في كامل زينته وأناقته.. شعره مسرّح, وقميصه نظيف, و(بدلته) مكوية, وحذاؤه يلمع, وعطره يفوح..

 يريح العيون بهندامه , ويحبب القلوب بمظهره وهيئته... وكان يعامل الآخرين بأريحيّة, ونفس رضيّة, وعين ( فضيّة)، ويد مبسوطة... يعطي إن كان الأمر بحاجة إلى عطاء , ويساعد إن كانت القضية تتوق  إلى مساعدة... لايبخل على نفسه ولا على أهله بشيء, فراتبه الشهري يغمره  ويغمر عائلته.. بل كان يعتبر نفسه من الطبقات الميسورة التي لم تُحرم من شيء!. ولعل هذه الأمور مجتمعة قد عززت من مكانته الاجتماعية، يقيم لكل ( أمر ) وزناً، ويقدّر كل ( مزيّة) حقّ  قدرها!.

  كان (الأستاذ) في منتهى الراحة النفسية والمعنوية والمادية, ولعل هذا الوضع قد فتح عيون ( الحسّاد) عليه, وبخاصة أولئك الذين أخفقوا  في دراستهم , نتيجة انشغالهم باللعب واللهو, في الوقت الذي كان فيه زميلهم يسهر الليالي, ويحرم نفسه من متع الحياة كي ينال درجة النجاح أو التفوق... ولعل وضعه المستقر المريح, هو قطف لثمار تعبه, وتتويج لمراحل جهده وسهره, ولعل وضع زملائه, الذين كانوا يضربون  عرض الحائط بكل دراسة أو واجب مدرسي, هو عقوبة كانت مؤجلة, ونتيجة كانت متوقعة!.

  ـ ومرت الأيام.. وفجأة بدأ صاحبنا ( الأستاذ) يشعر بالتغيير, فالتراجع التدريجي في كل أوضاعه قد أصبح حقيقة واقعة, فالعلم لم تعد له تلك المكانة, والشهادة لم يعد لها ذلك التقدير, والمال قد طغى على كل شيء, بل أصبح في نظر الكثيرين كل شيء, وبغضّ النظر  عن حال أصحاب المال, بغضّ النظر عن علمهم, أو شهادتهم, أو مستوى تفكيرهم, أو طبيعة تعاملهم, أو حقيقة سلوكهم.. فهم الوجهاء  الجدد في هذا المجتمع, وهم الحكماء الذين يسيّرون أموره, وهم أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في حل قضاياه.. فجأة أدرك (صاحبنا الأستاذ) أن البساط قد سُحب من تحت قدميه, وأنه لم يعد له أي دور في مجتمع قد أدار ظهره له، وأن وضعه النفسي والمادي لم يعد  يسمح له بالإدلاء برأي أو الإسهام بفكرة,  فانسحب  بهدوء من الساحة, وبدأ يتوارى عن الأنظار شيئاً فشيئاً !! فاسحاً المجال ( للشطّار) الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف, ويعرفون كيف يصولون ويجولون من دون أدنى رقيب!

 

 

 

 

 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15481

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة