أنس بديوي.... بين شعريتين(3-3)

العدد: 
15503
التاريخ: 
الأربعاء, 3 أيار 2017

في هذا القسم من دراستنا الموسومة بـ(بين شعريتين) نتناول ثاني النصين اللذين قامت عليهما، وهو قصيدة أنس بديوي الموسومة بـ(أجــب أيهــا الشعـــر) التي سيكون عنوانها مدخلنا إلى عالمها في هذه القراءة التحليلية.

من المسلم به تعـــدُّدُ مناهج تحليل النص الشعري، ولعل المنهج الأقل أخطاء، والأقرب إلى الصواب هو المنهج الذي يستجيب لطبيعة النص وخصوصية التجربة التي يصدر عنها، فما من منهج يصلح لدراسة كل الأساليب الشعرية دون قدر من القصور أو قدر من المثالب المنهجية، و قد يكون من المسلم به أيضا تعـــدُّدُ المداخل التي يمكن أن يلج المحلل من خلالها إلى عالم النص، فقد تختلف هذه المداخل باختلاف المحللين، كما أنها قد تختلف باختلاف النصوص، فالراجح أن لكل قصيدة بوابتها التي تيسِّـــر لنا الدخول إلى فضاءاتها دخولا ، يمكِّـــن من سبر الأغوار واستشراف الآفاق، وذلك على نحوٍ  يساعد في  الوقوف على أبرز ما في النص من العناصر اللغوية والظواهر الأسلوبية التي يتراءى للذائقة أن هذه العناصر.

 وتلك الظواهر أكثر من غيرها تعبيرا عن الرؤيا، وإذا كنا قد دخلنا إلى فضاءات النص الأول من بوابة القافية فيبدو أن المناسب أن ندخل إلى عالم النص الثاني  من بوابة العنوان(أجب أيها الشعر) فالبنية النحوية  لهذا العنوان ترشحه لأن يكون المنطلق الرئيس، أو المرتكز الأساس لمعايشتنا للنص الموسوم به وتحليله، فإذا عملنا بمقولة أن اللغة نظام من العلامات، حضورها دالٌّ وغيابها دالٌّ وجدنا أنفسنا مطالبين منهجيا بدلالة حذف مفعول الفعل(أجب)الغائب عن البنية السطحية  والحاضر في البنية العميقة، فالمفعول به ليس ركنا أساسيا أو ليس عمدة في التكوين النحوي للجملة العربية، كما يقول النحاة، ولكنه قد يكون كما يقولون أيضا العمدة، بل الركن الأساسي في مكونيها الدلالي والانفعالي، وهما بيت القصيد في الفعل الشعري، وفي تركيب العنوان الذي بين أيدينا ما يؤيد ذلك ويوضحه، فالمفعول المحذوف من هذا التركيب ليس عمدة دلالية فيه فحسب بل في البنية الدلالية والانفعالية للنص الموسوم به عامة، ومع ذلك حُـــذِفَ، ليشي حذفه بالجمع بين الذاتي والجمعي،وذلك على نحو يسمح بتقدير المفعول مفردا (أجبني أو أجبه أيها الشعر) بقدر ما يسمح بتقديره جمعا(أجبنا أو أجبهم) ذلك أن الذات الشاعرة مهما حرصت على أن تكون صوتا لمحيطها تبق هي المحور الذي  تنشدُّ إليه مع  حرصها على أن تكون صدى لأصوات الآخرين، مما يعني أن الرؤيا في حالة من التكامل والتداخل بين  الأنا الذاتية والأنا المجتمعية، وهو ما أوحى به  فيما نحن فيه حذف المفعول في البنية السطحية للعنوان(أجب أيها الشعر).

على أننا يمكن أن ننظر إلى هذا العنوان من حيث كونه تركيبا طلبيا استجدائيا، يصور الذات الشاعرة مُيَــمِــمَــة قبلة الشعر متوسلة به، علَّــه يجيب عن تساؤلاتها الحائرة الحرَّى ، فهذا العنوان الإنشائي ينطوي على سؤال إجمالي تحـــوَّل في النص كما هو ظاهر إلى تساؤلات عدة، وذلك على نحو يوضح طبيعة العلاقة العضوية بين العنوان ونصه من جهة كما يوضح ويؤكد أن هذا العنوان هو المدخل الرئيس إلى عالم النص . وهو ما أرجو أن يتضح عمليا في التناول التالي لأبرز الملامح الأسلوبية التي تراءى لهذه القراءة أن القصيدة عولت عليها أكثر من غيرها في إنجاز رؤيتها ، ومن هذه الملامح هيمنة التركيب الإنشائي، و قيام العلاقات النحوية  التركيبية بين المفردات على الإغراب والبعد عن المألوف ، والاعتماد على تقنية المفارقة  في رفع منسوب المستوى الانفعالي للنص.

تساؤلات مؤسِّسة

      ذكرنا من قبل أن العلاقة بين العنوان القائم على الطلب(أجب أيها الشعر) وبين النص الموسوم به علاقة عضوية، تتمثل بتحول السؤال المجمل في العنوان إلى تساؤلات كـــوَّنـتْ البنية المقطعية الأساسية للنص(أجب أيها الشعر...!  كيف الأزقة أسلمت أطفالهــــا... ؟!   كيف ارتدينا القهر قبعة ....؟!   كيف استطاع الناس أن يأتوك من فج عميق ....؟!  كيف ارتقيتَ إلى السواد ولم يكن في الناس غيرك من بياض...؟!.......)

وقبل الحديث عما لهذه التساؤلات من القدرة على البوح بفيض من الانفعالات المتباينة و المتداخلة ، تحسن الإشارة إلى ما لاستعمال الأساليب الإنشائية عامة كالاستفهام والطلب والنداء من قدرات لافتة عندما تستعمل في اللغة الانفعالية لغير معانيها الحقيقة المقصودة في اللغة العادية أو غير الفنية، ففي هذه الحالة يصبح بوسع التركيب الإنشائي أن يعبر في اللحظة الشعورية الواحدة عن مختلف الانفعالات  المتداخلة أو المتناقضة التي لا يندر أن تعتري النفس البشرية في آن واحد، وهو ما نلاحظه في كل النص الذي بين أيدينا.

كيف الأزقة أسلمت أطفالها

لأنين هذا الجمر ، لم تحمل لهمْ

بيتا ولا وطنا صغيرا شاردا خلف

الحقائب والمواكب...

ففي هذا المقطع يلاحظ أن التركيب الاستفهامي  مفعم بمشاعر التألُّم والتحسر والتعجب الموشاة بمختلف تجليات الحزن العميق، والدهشة المحبطة، ومبعث ذلك قيام المقطع كسائر المقاطع على تركيب إنشائي استفهامي، و قيامه  المفارقة المثيرة لجمعها بين المعنى ونقيضه، أو بين ما كان و ما كان ينبغي أن يكون، فهاهي الأزقة رمز المدينة القديمة مظنة الزمن الجميل والمشاعر الإنسانية الحانية تضيق  بأطفالها وأمل مستقبلها، فتلفظهم ليكون مصيرهم التشرد والجهل، مما أفضى إلى حالة من الحزن الأسود :

كيف ارتقيتَ إلى السوادْ

ولم يكن في الناس غيرك من بياض.....

من أين جاءت هذه الألوان

يا دنيا تُــفجِّــرُ قامة شهق اخضرار الموج

من جبروتها،

..............

 في هذه المقطع تآزرَ أكثر من تقنية أسلوبية ؛ فقد وظَّـــف رمزية اللون، وتقنية المفارقة، والفاعلية التعبيرية للتركيب الإنشائي، وقد نجح هذا التآزر في الإفصاح عن مختلف أطياف المخزون الانفعالي الذي يصدر عنه النص، فالارتقاء من الرقي الذي يُسْتَــعْــمَـل عادة في التعبير عما فيه خير البشرية، ولكنه هنا ارتقاء إلى السواد، أي إلى ما فيه تعاستها، والمفارقة المثيرة للمزيد من الإحباط هي أن يكون المرتقي إلى ذلك هو من لم يكن في الناس أحد غيره موئلا لبياض الحياة، وعنوانِ سعادتها، ولأن الأمر كذلك انتهت بنا الرؤيا إلى جبروت ابتلع سوادُه اخضرارَ أمواج الحياة،  وذلك في حالة من المفارقة شاركت التركيب التساؤلي في إنجاز رؤيا النص ، وهو ما سيتضح أكثر في الفقرة التالية .

مفارقات موظَّـــفة .

       كثيرا ما يعول الأدباء على المفارقة في شحن أعمالهم بمنسوب عال من الحالة الانفعالية لدى طرفي العمل الأدبي الأساسين المنشئ والمتلقي، فالمفارقة كفيلة بالتعبير غير المباشر عن حالة التأثر التي يصدر عنها المنشئ بقدر ما هي كفيلة بإثارة المتلقي وتنبيه أو تنشيط مستشعرات التذوق لديه، فالنفس  البشرية كما يوضح حازم القرطاجني مفطورة على الالتذاذ و التألم بما ومما يجمع بين حالتي اللذة والألم كذكريات العهود القديمة التي تلتذ النفوس بتخيلها وتتألم من تقضِّيها  أو انصرامها. والمفارقة تكمن فاعليتها الانفعالية أيضا بقدرتها على الإثارة  وذلك لجمعها كما أسلفنا بين المعنى ونقيضه، أو لاستحضارها لما كان ينبغي أن يكون وللمخالف لما كان فعلا، وهذا مبعث  الدهشة أو الإثارة التي تحدثها في النفس تقنية المفارقة هذه، وهو ما نلمسه في معظم مقاطع النص، وقد لا حظنا شيئا منه فيما تقدم، ومنه أيضا  قول الشاعر:

كيف ارتدينا القهر قبعة

تصافح مجدنا الموروث

تسكن في المحاجر

و المجامر

فهذا المقطع يعـــوِّلُ بوضوح على المفارقة في التعبير عن سخرية مرة في نقد الذات أو جلدها ، وقد تمثل ذلك باستعمال الكلم بخلاف أو نقيض ما وضع له، فالمُــنْــكَــر على الذات في هذا التساؤل هو ارتداء القهر قبعة ، وكأن القهر أصبح زينة نتجمل بها، مما أفضى بنا مع هذا  الرداء الزينة إلى عكس ما يرتجى عادة من الأردية ، وهو اتقاء عاديات الزمان، أما ارتداء المنشئ هنا فيلقي مرتديَـــه في أتون هذه العاديات، لذا جعلت الرؤيا الرداء القهري، يصافح  مجدنا الموروث، مصافحة تفضي إلى خلاف ما يؤمل منها عادة بين المتصافحين، لأن المُسْـتــلْـــهَـــم  مما سمي مجدا موروثا، ليس  المجد المؤثل، بل إرثا يورث المزيد من الانقسام والفرقة، مما يكشف عما يصدر عنه استعمال عبارة(مجدنا الموروث) في هذا السياق من نقد مر للذات ينطوي على قدر  من السخرية المعبرة .

        على هذا النحو من المفارقات المثيرة يواصل المنشئ إنجاز الرؤيا، وهي مفارقات أسهمت في إنجازها ظاهرة أسلوبية بارزة ، تتمثل بقيام التراكيب النحوية على علاقات تركيبية منزاحة عن المألوف، مما أسهم في شحن هذه التراكيب بالغامض والمكثف من المعاني والدلالات التي لا تسمح أحيانا بأكثر من أن يقرأ النص قراءة تأويلية لا تنفي احتمال غير ما قاربته من المعاني والدلالات، وقد مر بنا من قبل معالم من هذه الظاهرة الأسلوبية التي ستوليها  الفقرة التالية  المزيد من التوضيح . 

 انحراف تركيبي وكثافة تعبيرية

 لعله من المسلم به أن الاستخدام غير الإشاري الذي يغلب على الشعر البوحي الإيحائي  أو الذي يزاوج بين الإيحاء والتجريد يعني أن معجم النص لا يتحدد بعدد مفرداته،أو بحقولها الدلالية المعجمية الضيقة، بل بطبيعة السياقات التي تزرع فيها هذه المفردات على نحو يجعلها في علاقات تركيبية جديدة، تثير في المتلقي أفقا جديدا، يأخذ من العبارة الشعرية لمحة خاطفة،  تفضي إلى تجاذب وجداني، ينتهي بالمتلقي إلى استثمار التعبير و تنمية الموقف ، وهو ما يشعر به متلقي النص الذي بين أيدينا،شأنه في ذلك شأن الكثير من شعر الحداثة التي تزاوج بين  الإيحاء و التجريد الذي يشعر معه المرء  كما قلنا بأن النص قابل للتذوق والتلقي أكثر من قابليته للفهم والشرح، وكأن طه حسين قصد إلى هذه السمة الحداثية من قبل أن تولد الحداثة الشعرية العربية، وذلك عندما وصف نماذج وقف عليها في الأدب الغربي بأنها (تُكْـتَـبْ وتنظم لتثير في نفسك ألوانا من المعاني وضروبا من الخواطر، ولتهيج في قلبك أشكالا من العواطف وفنونا من الشعور تحسها، فتلذُّ لك وتألم لها ، وتبتبهج لها وتضيق بها ، وتفهمها حينا وتعجز عن فهمها أحيانا، وتذهب مذاهب متعددة غريبة ومتباينة في فهم هذا الكلام الذي يلقى إليك ، وتأويله وتخريجه، فتقر ما تنتهي إليه ، ثم يبدو لك فتعدل عنه)

       فهذا الذي يذهب إليه عميد الأدب العربي يصور في أحيان غير قليلة حال متلقي النص الموسوم بـ(أجب أيها اشعر) وذلك لما قام عليه من الغموض والتكثيف الدلالي مع قدر لافت من الإثارة،ومن بواعث ذلك أسلوبيا تعويل النص في بناء تراكيبه على علاقات منحرفة انحرافا أفضى إلى قدر من الإثارة التي أشاعها فيه(أنين الجمر،وارتداء القهر قبعة، واللغة الركام، وخلع نعل إخفاق الحياد، ورماح العزم،والمعارك الدائرية، وموائد القتلة، و تعريش الحزن فوق أهداب المكان) فمما لا شك فيه أن قيام مثل هذه التراكيب على ضروب مختلفة من المجاز كان له دور بارز في ما يلاحظ في هذه التجربة من الإثارة والغموض، ومما أسهم في ذلك اتسامه بما تتسم به الشعرية الكتابية في الحداثة الشعرية عامة من طول الجمل الشعرية، أو طول التراكيب وتداخلها على نحو يفضي إلى تماسك النص بقدر ما يفضي إلى اتخاذ تذوقه  والانفعال به وسيلة إلى  تلقيه  أكثر من اتخاذ الفهم أو الشرح وسيلة إلى ذلك :

من أين  نحمل هذه الأرقامَ

إن كان السجال على السجل موزعا مثل الهوية

ليس يحملها الجميعْ

ودفؤها يبقى معي

أنَّى حللتُ أو ارتحلت أو اقتلعت

من الجذور إلى الجذورْ

ماذا سيبقى من ضيائي

في عيون حبها يربو على ما مرَّ قربك

من حشود متعبهْ

فمما يستوقف المرء في هذا المقطع ذلك التساؤل المحبِط  والمحبَط عن مصدر الأرقام التي نحملها، و الأرقام رموز لا بد أن لها ما ترمز إليه ، ولعل تكشُّفَ معالم  المرموز إليه بها هنا  متوقف على فهم المراد من السجال الموزع في سجل المقيدين فيه، وكأنه قدرهم المحتوم أبد الدهر، وكأن رؤيا النص تصدر عن حالة الإحباط الناجمة عما يجتاح الأمة من الشارات والشعارات المتضاربة غاياتٍ و بواعثَ، وهذا مما يفسر استبداد حالة الإحباط بالرؤيا التي لا تكاد تومئ إلى ضوء في نهاية النفق حتى تهوي في غياهب الضياع والتخبط :

كلف بهذي الأرض أحملها معي

وأطوف في عرش البقاءْ

.........

كلف بأهلٍ يقطعون نحيبهم نحو الفرحْ

من أين جاءت هذه الألوان

لا أدري ؛

فلوحاتي القديمة

مزقت خيط البداية والنهايهْ

إنها  الرؤيا المكاشِفة و المنسجمة مع النفس، لذلك حرصت على تقديم ما يُــقْــنِع بهذا الحزن الأسود الذي تقوم عليه أو تصدر عنه، فهاجسها خطرٌ داهمٌ، لا يجدي معه اختلاف المواقف بين التأييد أو الرفض أو النأي بالنفس، فالجميع في مركب، قدره حروب دائرية لا تكاد تتوقف حتى تنطلق في فضـــاء :

كل ما فيه يضيق إذا خلعتَ

بجوف واديك المقدس

نعل إخفاق الحيادْ

وراودتك رماح عزمك

في معارك دائريهْ

وفي الختام تحسن الإشارة إلى  ما للإيقاع الوئيد الملازم لهذا النص من دور في التعبير عن حالة الانكسار التي يصدر عنها، ولعل أبرز معالم هذا الإيقاع الكسير هيمنة الصوامت المقيدة على قوافي المقاطع، ونهايات بعض الأسطر،مما حــــدَّ من حضور الصوائت الطوال، وهذا ملمح أسلوبي واضح المعالم والأثر، وذلك على نحو لا نحتاج  معه إلى المزيد من  التمثيل أو التحليل الموضِّـــحين.

 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
د. محمد عبد و فلفل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة