جماليات الزمان في شعر عدنان قيطاز

العدد: 
15550
التاريخ: 
الاثنين, 17 تموز 2017

شاعر عربي أصيل .. ترك بصمته واضحة عبر نتاجه المضمّخ بروحه التي تستشعر كل شيء حولها .. وآثرت أن أضيء جماليات الزمان التي تراءت لي عبر صور كثيرة ، فقد كانت تترك أثرها جلياً ومتنوعاً في أثناء أبياته ،إضافة إلى أن الدكتور عبد الفتاح محمد قد درس جماليات المكان في شعره ، فأحببت أن أتناول الوجه الثاني لهذه الثنائية الجمالية ( الزمان والمكان ) لنبحر أكثر في بحر هذا الشاعر ، ونواكب أمواجه حيثما اتجهت  وكان التركيز على ديوانه : أسفار ابن أيوب الحموي ، الذي تعددت فيه طرائق استحضار الماضي وتجلياته ، والشعور بالزمن على نحو ٍواضح ٍ.

ففي قصيدته ( غضبة ُ القدر) ، يبدأ أبياته الأولى بكلمة ( مُـدِّي ) وفيها من الأمر والتكرار ما يثير النخوة في نفس السامع ، وفيها إيقاع مؤثر يتجلى في الدال المشددة القوية تتبعها الياء الممدة ويقول:

مـّدِّي جسور اللظى المشبوب واختصري

                                                  مسافة الشوط بين المجد والحجر               

مـُدِّي وتسألني الأيام ما فعلت

                                                     أسطورة الرخّ في تابوتها النخر      

مـُدِّي وينتفض التاريخ من خجل

                                              عصر الفجاءات في كفيك فاعتصري

مـُدِّي جسور اللظى واستبطئي برداً

                                                   عن سيد الفجر يجلو غُرَّة السَّحر

فهو يحاول أن يصل بين الحاضر والماضي عبر جسور اليقظة والانتفاع بالمجد ، لينتشي الحاضر مستمداً القوة من الماضي ، ويستحضر الصور المناسبة لذلك فالمسافة يطالبها بأن تختصر بين المجد القديم والحاضر الجامد  ليمتزجا ، ويستخدم كلمات تعبر عن الزمن ( الأيام – أسطورة – التاريخ – عصر – الفجر – السّحر ) فهو يشعر بوطء الزمن ، ويشاركه تحسره على ما مضى ، فالأيام تسأل عن الأساطير القديمة التي تحجرت في تابوت نخر ، ولم يستفد الحاضر من خلاصتها ، والتاريخ ينتفض ، وإشراقة الأمل والتجدد تحاول أن تبعد غرة الظلام الجاثمة على وجه الأمة ببياض فجرها .

ويذكر في موضع آخر أسماء أماكن تربطه بها ذكريات جميلة ، وشخصيات كان لها أثر في حياته ، وما هذا الاسترجاع إلا رغبة ً في استرجاع ماضي ذكرياته في الأماكن ومنها منطقة سلمية وشاعرها أبي علي الجندي إذ ربطه بديك الجن الحمصي ، وأعاد عجلة التاريخ ألف عام إلى الخلف ، وكأن الحاضر يأبى إلا أن يستحضر الماضي في كل حدث يجري مع الشاعر ، ويذكر بعدها عمره الذي ناهز الخمس والخمسين ليذكر بعد ذلك أنه وصل إلى الكهولة ، والكهولة سن من جاوز الخمسين ، ولكنها لها ثقلها لأنها تشعر بعمر متقدم إلى حد كبير يقول في قصيدته ( بيان أبي علي):

 من مثل ديك الجن في الهوى وأبي علي

وهما هما من أغرياني بالشراب المذهل

من ألف عام أو يزيد أصابني في مقتلي

لولا سلمية لم أقف يوماً بدارة جلجل

ونهدت بعد الخمس والخمسين يرعش مفصلي

فلتعذرنّ على الكهولة جفوتي وتململي

ونجده في موضع آخر من قصيدة ( وجه من بلادي ) ، يخاطب أسامة بن منقذ صاحب كتاب ( الاعتبار ) الذي كان له دور كبير في تاريخ حماة في قلعة شيزر ، ويرى فيه رمزاً للشموخ المستمد من عظمته وقوته وإبائه ويحاول أن يستقي من هذه الشخصية التاريخية أعظم صفاتها ليسكبها على الواقع المتعثر مستخدماً كلمة على ( المدى) ، عله يستفيق من غفلته ، وضياعه ، ويستخدم في حديثه معه كلمة ( أنا ياما) دالاً بها على التكرار الزمني لاستحضار هذه الشخصية ومواقفها وبطولاتها ، يقول :

يا أبا منقذ وفيك بقائي                وفنائي ووحدتي وانشطاري

وبقلبي قوافل من إباء                حاملات على المدى إصراري

أنا ياما أبصرت فيك شجوني        ودموعي في وحشتي وانكساري

أنا ياما رأيت فيك اكتهالي            واكتمالي وعزتي ووقاري

وقد عانى الشاعر من الزمان وغدره، وتقلباته ، وتقلبات أهله ، وهذا التقلب يأتي ليكشف معادن البشر ، ويخاطب الزمان بمصطلح ( الدواهي ) ، وهذه الكلمة تعبر عن الزمن إضافة إلى إيحائها بالمكر والخديعة والأذى ، وبعدها يخاطب غدرات الزمان بصيغة الجمع ، وهذا يدلنا على مدى تعرضه للغدر المؤلم للنفس ، ولا سيما عندما يكون من الأقربين ، ورغم عمق الآلام التي تركها هذا الدهر ، إلا أن الشاعر كان يقف من جديد بعد كل تعثر كالطود العظيم الجليدي أمام هذه الغدرات ، معلناً صموده أمامها مهما امتد به الزمن وشاخ وهرم ، ويقول الشاعر من قصيدة ( لك المجد) :

فقل للدواهي إذا ما دهت         رويدك إنـّي لــن أهزمـــا

وإني على غدرات الزمان        جليدٌ ...وإن برت الأعظما

وعندما يستحضر الشاعر ذكريات المهرجان الشعري في دولة الإمارات العربية المتحدة ، كان يحاول أن يدقق ويفصل في الوقت الذي ارتبط بكل مدينة على حدة ( ضحى- ساعات- أيام- ليالي) ، وكأنه يحاول أن يجمّد الزمن ويوقفه عند لحظات السعادة وساعات الود!ّ، ومن منّا لا يحب أن تستمر لحظات السعادة والسرور ! ولكن هيهات منا .. ليس باستطاعتنا أن نعيد عجلة الزمان إلى الخلف إلا من خلال نعمة الخيال والذاكرة ، التي تنقلنا بمعجزاتها إلى ما تشاء من أماكن وأزمان ، يقول الشاعر في قصيدته ( ياصادق الودّ ):

هتفت بالشعر ... ما أحلى الهتاف ضحى

                                         والوجد في جنبات القلب يستعر

أيام كانت دبيٌّ منتهى أربي

                                             على الإمارات معقودٌ لها الظفر

وما ليالي في أكناف شارقـة ٍ

                                                مع الأحبـّة إلا الحلم والوطر

وكما يكون كل حدث مضخماً لدى أي شاعر بحكم إحساسه العميق بما حوله ، كذلك الزمن يتضاعف لدى شاعرنا لأنه يشعر بوطأته ، ويزداد هذا الشعور قسوة وكمّاً عندما يستمر في وضع يديه حاجراً حوله يحول بين لقاء الشاعر بأحبته ، ولا سيما أن دولاب العمر يمضي بلا توقف ، ونار الأشواق تستعر وهذا المضي يكون أمسى لأن الأحبة لا يشاركون الشاعر رحلته ، وما مضى من العمر لا يمكن  يكون أمسى لأن الأحبة لا يشاركون الشاعر رحلته ، وما مضى من العمر لا يمكن أن يُعوض ، وهذا ما يضاعف الحسرة في قلب الشاعر على البعد والهجر يقول الشاعر في قصيدة ( يا غائبين):

خمس تقضّت في البعاد ... ولي

                                            قلب إليكم لم يزل يصبو

فكأنها خمسون لاهبة

                                     والعمر يمضي ... وهي لاتخبو          

وكثيراً ما ارتبط الهم بالليل ، لظلمته ، وثقله ، وطوله وقد تأفف منه أغلب الشعراء وكأنهما أصبحا متلازمين عند التعبير عن ثقل الهم ، ولا سيما إذا كان الليل مرتبطاً بفقد أغلى إنسانة في الوجود لدى كل منا ، وذلك في قصيدته ( أناديك يا أمي ) عندما يقول: 

أفي ليلة حالت يد الموت بيننا     وأضحت أمانينا هباءً موزعا

تدلل همي وهو كالليل جاحم       فيرجع من نعمى رضاها مشعشعا

ويحاول في القصيدة نفسها أن يستعيد الماضي بصيغة السؤال ( أين) التي كررها ، وكأنه استفهام إنكاري فهو يعلم الإجابة ،إذ إن الزمن لا يعود إلى الوراء، ولكنه يحاول أن يرجع من خلال أسئلته إلى فردوس الماضي المفقود عندما يسمى باحثاً عن أيام السعادة وأحاديث العشيات وابتهالات البكور مع فقيدته الغالية ( أمه) يقول:

ترى... أين أيام السعادة والرضى

                                           تهدهد قلبي صادرات وشرعا ؟             

وأين أحاديث العشيات بيننا

                                       طرائف شتى... ما ألذ وأروعا ؟

وأين ابتهالات البكور وطيبها

                                          وألوان عيش ٍكان بالصفو مترعا ؟

فكل وقت من الأوقات كان له عبقه وطيبه وشذاه ، يلوح في الذاكرة ، فيعطر طيفها خياله وقلبه ، ويجعله ينتشي ويطرب لتلك الأيام الخالية.

وفي رثائه لأصدقائه الذين رافقوه مسيرة الحياة ، ثم غادروها تاركين إياه يتابع هذه الرحلة بعيداً عنهم يستخدم كلمة الأمس والمدى، والسنوات والعهود ، فيقول عن سهيل العثمان في أحد أبيات قصيدة ألقاها في حفل تأبينه :

بالأمس كنت هنا ... وتسمعنا        ما غاب عن حس وعن خلد

يا صفوة الأحباب ... مجلسنا       زال يذكر سالف الأمد

فسهيل كان في الماضي وما زال في ضمائر محبيه ، واستمر ذكره من الماضي وما كان يعيدهم من خلاله إلى ماض ٍأبعد من ذاكرته ، وخلد ذكره بينهم في مجالسهم ، لما لحضوره البهي من ألق .

ويخاطب روح الشاعر سعيد قندقجي قائلاً:

طوى ما بيننا الأمد البعيد       فقل لي .. كيف نبدئ أو نعيد ؟

فالأمد الطويل هو الذي فصل بين شاعرنا وصديقه ، وأنى للماضي أن يعود وللأحداث الماضية أن تكرر بحلوها ومرها.

وكذا عندما ألقى كلماته أمام جثمان الأستاذ أحمد الجندي في تشييعه ، كان يذكر الأعوام التي كان لها أثرها في صاحبه وذكرياته معه فيها ، ورفاقه في الثمانين من العمر فيقول:

الثمانون من شموعك ما زالت        وضاءً فكيف تقوى المنون ؟

ويودع صديقه الشاعر عبد الرحيم الحصني وئيد الخطا ، زاهداً ، حزين القلب فيقول :

لم يبق لي من زهرة الدنيا منىً تطوي السنينا

إلا الثمالة في قرار العمر أطبقت الجفونا

وكأنه بموته قد طوى صفحة الأمنيات لدى شاعرنا ، ورماه في نهاية العمر ، مغمض العينين ، لا يقوى على فتحهما من شدة حزنه على صاحبه.

ومن قصيدة طويلة في رثاء شاعر حماة وطبيبها ، ألقاها في حفل تأبينه ، يذكر الدهر والأحقاب، فالدهر أصاخ سمعه للكلمات التي قالها الشاعر فيه ، والأحباب ألقت سمعها لما كان يقوله الشاعر المرحوم ، يقول :

تطير صباباتي إليك عنادلاً           تشنّف سمع الدهر زلفى توددي

تصيخ لك الأحقاب سكرى مدّلة ً    بكل بديع الطيّ والنشر متلد

وبهذا نكون قد أضأنا جانباً بسيطاً من جوانب شعر الأستاذ عدنان قيطاز على عجالة موجزة ، فالزمن يحكمنا هنا أيضاً ...

ولله در عاصينا كم أنجب من الشعراء تفخر بهم حماة وتشدو لهم النواعير طرباً على توقيع أنغامهم .. لتخلد ذكرهم على مر لزمن.

الفئة: 
المصدر: 
د. رود خباز

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة