على ضفاف العاصي : الغزو الأخطر في حياة الشعوب

 هناك عدة أنواع للغزو، وأخطر هذه الغزوات على الإطلاق هي الغزو الثقافي، وإن أمضى الأسلحة التي تقف في وجه هذا الغزو هي تحصين الأجيال ضده  ليس بالكلام والاحتفالات، وإنما بالوعي والتسلح بالمعرفة التي  تنير العقول. فالجيل الجديد ورقة بيضاء يمكن أن تكتب عليها ماتشاء، وإن تركتها سيكتب عليها الأعداء مايريدون من جهل وتضليل وكراهية  وتعصب ويتخذون منها أدوات تخريب  وقتل كما يفعل اليوم الإرهاب الذي غزا بلداننا العربية وخاصة سورية والعراق، هذا الإرهاب الذي أقام معسكرات خاصة للتدريب وزرع أفكار لاتمتّ  إلى أخلاق شعبنا بأية  صلة، وإن المستفيد الأول من هذا التدريب والزراعة هو الكيان الصهيوني والدول الإمبريالية  والاستعمارية ليكون هذا النوع من الإرهاب ينوب عنها في إضعاف بعض البلدان العربية دون أن تطلق تلك الدول الاستعمارية طلقة واحدة، ودون أن تهدر دم جندي واحد من جنودها مادام هذا الإرهاب هو الذي يقاتل  نيابة عنها أو بالوكالة كما تفعل اليوم التنظيمات المسلحة التكفيرية تحت عناوين إسلامية مزعومة ويرفعون شعارات كتب عليها أسماء قادة عرب مسلمين ليس لهم علاقة بهذا الفكر الظلامي الذي يرفعونه كذباً ونفاقاً للتلاعب بعواطف بعض العامة المتخلفين وغير المحصّنين البتة مستغلين رغباتهم وبعض حاجاتهم. وقد بثت بعض وسائل الإعلام الوطنية كيف يستغلون مئات الأولاد الصغار الذين لاتتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة من الأعوام يسلحونهم  ويدربونهم ويغذونهم بجرعات من التعصب الأعمى والكراهية والقتل وقطع الرؤوس وقساوة القلوب وتحويلهم إلى وحوش بشرية لاتعرف  للإنسانية طريقاً، هذه هي زراعة داعش وغيره من المنظمات الإرهابية التي صنعتها أمريكا والموساد الصهيوني لقتل النخوة العربية والشعور الإنساني لدى كل دول عربية مازالت تعمل من أجل الوحدة و التضامن وتحرير الأراضي العربية المغتصبة، وإن جميع المنظمات الإرهابية التي نشأت دفعة واحدة بأسماء مختلفة وكلها تدّعي الإسلام، والإسلام الصحيح منها بريء مهما لبست من أثواب لأن الإسلام سلوك وليس ادعاء  أو شعارات ترفع أو كلام يقال, وإن التمييز بين الخطأ والصواب من مهمة العلماء الذين يجب أن يطوروا خطابهم الديني من أسلوب الوعظ إلى أسلوب الحوار البنّاء والفهم والقدوة والتسامح والتعاون والمحبة /كَبُر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون/. فالغزو الثقافي لايمكن مكافحته بالتلقين، بل  بالحوار كطريق للدخول إلى عقول الأجيال وإقناعهم عن طريق حرية الرأي والرأي الآخر، فالأفكار الصحيحة تطرد الأفكار الخاطئة التي تتنافى وطبيعة الإنسان، فيمكن أن أقتل داعش وحلفاءها من التنظيمات الإرهابية بالبندقية، لكن مخلفاتها التي دربتها وصنعتها بالتعاون مع أسيادها لايمكن القضاء عليها إلا بتحصين الجيل وتأمين مستقبله وتسليحه بفكر منفتح مسؤول وطني يقوم على حب الوطن والدفاع عنه وهذه مهمة دائمة يتحملها  الجميع وفي مقدمتهم المثقفون من أصحاب الأفكار النيرة. وإن الاستمرار في هذه المهمة الوطنية واجب  ملحّ يقع  على كاهل جميع المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والأحزاب التقدمية والتأكيد على تثقيف الأسرة التي تعدّ حجر الأساس في بناء المجتمع  وتطوره، وإن ركنيها الأساسيين الأب والأم بهذا لايمكن لأصحاب الأفكار السوداء أن يضعوا لهم حاضنة في مجتمع متطور يقوم على التسامح والمحبة شعاره /الدين لله والوطن للجميع/.

 

 

 

الكاتب: 
أحمد ذويب الأحمد
العدد: 
15550

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة