المكوّن الفكريّ والعتبات النصّيّة لقصيدة محمود درويش (شتاء ريتا)

العدد: 
15569
التاريخ: 
الأحد, 13 آب 2017

يحدّد أسلوب بناء النص طريقة استخلاص مقولته, وكيفيّة الدخول في تفاصيل معناه وصولاً إلى مغزاه. و إذا كانت نحويّة لغة الشعر نحويّة خاصّة ، فإنّ الأمر ينسحب أيضًا على الوعي الجماليّ الخاصّ الذي يتجلّى من خلال النصّ الشعريّ .

والنصّ الذي بين أيدينا يتميز ببنية ثنائيّة معرفيًّا, يمكن أن نطلق على الأولى البنية السطحيّة, ونسمّي الثانية البنية العميقة .

- البنية السطحية: تجسد البنية السطحيّة علاقات حضور تقدّم معنى سطحيًّا مباشرًا غير مراد, وتتجسّد وظيفتها الفنيّة و الجماليّة باستحضار بنية عميقة تمثّل علاقات غياب تسهم في الوصول إلى النص الغائب, وهو المقصود على صعيد تبيان المكوّن الفكريّ وتحديد مقولاته .

إنّ " الدالّ في الكتابة يمثّل العنصر الحاضر، و المدلول يمثّل العنصر الغائب، هنا يكمن دور القارئ الذي يسعى إلى تذوّق النصّ و تحليل شفراته و أنساقه في استحضار هذا الغياب أي معرفة المدلولات و الوقوف على مرجعيّاتها. و بهذا الاستدعاء تتمّ العلاقة بين العناصر الحاضرة و ما يقابلها من غياب في علاقة جدليّة تتولد عنها الخصائص الأدبيّة أو الشعريّة للنصّ الإبداعيّ، و هذا أقصى ما يقدّمه القارئ و ينتهي دوره " .

تصف البنية السطحيّة لقصيدة (شتاء ريتا) علاقة بين رجل, يحيل على الذات الشاعرة, وامرأة, تحيل على أثر الأنوثة في حياة ذلك الرجل. وأوّل ما تقدّمه لنا علاقات الحضور في النص (البنية السطحية) الطابع الجنسيّ في تلك العلاقة بين الرجل والمرأة؛ إذ تبدأ المرأة (ريتا) بتهيئة أجواء لقاء يجمعها بهذا الرجل = الصديق =الحبيب = العابر=... وهي أجواء احتفال بمتعة لقاء.

الأنثى ترتّب مكان اللقاء, وتعدّ تفاصيل أشيائه, ممّا يحتاجه الحبيبان في مثل هذه اللحظات الدافئة.

 يقول درويش :

ريتا تُرَتِّب لَيْلَ غُرْفَتِنا: قَليلٌ

هذا النَّبيذُ,

وهذه الأَزْهارُ أَكْبَرُ مِنْ سَريري

وتخاطب (ريتا) عاشقها = صديقها = ... بما يؤكّد لها أنّها أنثاه الوحيدة, فتقول :

هَلْ لَبِسْتَ سِوايَ؟ هَلْ سَكَنَتْكَ إمْرَأةٌ

لِتُجْهِشَ كُلَّما الْتَفَّتْ على جِذْعي فُروعُكَ؟

حُكَّ لي قَدَمي, وحُكَّ دَمي لِنَعْرِفَ ما

تُخَلِّفُهُ العَواصِفُ والسُّيولُ

مِنِّي ومِنك ...

وهذا الرجل, يقف مستمتِعًا بجمال أنثويّ,يتجلّى فيه الجمال بكلّ مقوّماته, ليعكس اندفاعًا عاطفيًّا تؤجّجه نار الرغبة في دخول مغامرة جنسية. تقول الذات الشاعرة:

تَنامُ ريتا في حَديقَةِ جِسْمِها

توتُ السِّياجِ على أَظافِرِها يُضيءُ المِلْحُ في

جَسَدي. أُحِبُّكِ. نامَ عُصْفورانِ تحتَ يَدَيَّ...

نامَتْ مَوْجَةُ القَمْحِ النَّبيلِ على تَنَفُّسِها البَطيءِ،

وَ وَرْدَةٌ حَمْراءُ نامَتْ في المَمرِّ .

ولأنّ اللحظات التي تعيشها الذات الشاعرة هي لحظات فرح وسرور غامر بمتعة اللقاء, أحسّتِ الزمن قصيرًا؛ فهو زمن نفسيّ تتبدّى فيه أوقات السعادة قصيرة (ونام ليلٌ لا يطول) على عكس ما يجب أن يكون عليه ليل الشتاء من طول.

بعد هذا اللقاء, وتلك المتعة، لابدّ من الوداع والفراق والرحيل. وهذه طبيعة الأشياء غير القائمة على الاستمرار والديمومة. لقاء عابرٌ سيتبعه رحيل وفراق. تقول الذات الشاعرة[43] :

... ريتا سَتَرْحَلُ بَعْدَ ساعاتٍ وتَتْرُكُ ظِلَّها

زَنْزَانَةً بَيْضاءَ. أينَ سَنَلْتَقي؟

سَأَلَتْ يَدَيْها, فالْتَفَتُّ إلى البَعيد

إنّه سجن اللحظات الجميلة, بقاء في زمان مضى, واستدعاء للحظات هذا الزمان بكل حيثيّاته وتداعيات أوقاته الممتعة. أمّا الوداع فهو لحظة لابدّ منها؛ لم يكن هربًا, كان موقفًا لابدّ من اتّخاذه بعد قضاء الوطر. وبين هذا اللقاء وتداعيات الفراق نسجت الكلمات حوارًا في موضوعات تهمّ الطرفين, إمكان لقاء آخر, بقاء شخص ورحيل شخص, حالة غير مفهومة لغناء استدعاه الغياب. أم أنّها الرغبة في أن يكون الغناء غير مفهوم ؟

في هذا اللّقاء تستدعي ذاكرة كلّ شخص ماءها وطينها. من أين أقبل؟ وأين سيكون؟ هل يتّسع المكان لشخصين؟ وقد اتسع السرير الضيّق لهما! إنّه المكان الذي يشكّل بعدًا انطولوجيًّا (وجوديًّا) لكلّ واحدٍ منهما. الشاعر الذي عاش آباؤه وأجداده في المكان, فزرعوا وحصدوا, وبنوا بيوت أطفالهم, وعمروا الأرض. إنّهم التاريخ الحقيقيّ لهذا المكان الذي أحبّوه وأحبّوا فيه, وعلى طهر ترابه كانت القداسة ترعى أقدام الأنبياء. يقول الشاعر :

لِيَ هذه الأرْضُ الصَّغيرةُ غُرْفَةٌ في شارِعٍ

في الطَّابِقِ الأرْضِيِّ من مَبْنىً على جَبَلٍ

يُطِلُّ على هَواءِ البَحْرِ . لي قَمَرٌ نَبيذِيٌّ, ولي حَجَرٌ صَقيلُ

لي حِصَّةٌ من مَشْهَدِ المَوْجِ المُسافِرِ في الغُيومِ , وحِصَّةٌ

من سِفْرِ تَكْوينِ البِدايَةِ , حِصَّةٌ من سِفْرِ أَيّوبٍ , وَمِنْ

عيدِ الحَصادِ , وحِصَّةٌ مِما مَلَكْتُ , وحِصَّةٌ من خُبْرِ أُمّي

لي حِصَّةٌ من سَوْسَنِ الوِدْيانِ في أَشْعارِ عُشَّاقٍ قُدامى

لي حِصَّةٌ من حِكْمَةِ العُشَّاقِ : يَعْشَقُ وَجْهَ قاتِلِهِ القَتيلُ

والآخر هو ريتا, التي هاجرت من موطنها البعيد, لتقيم في هذه الأرض الجديدة. إنّها تقف وحيدة مع نفسها, في هذه الأرض, بعد أن انقطعت عن موطنها الأصليّ, موطن أمّها وأهلها. يسرد النص هذا الموقف, فيقول الشاعر :

... ريتا تُغنِّي وَحْدَها

لِبَريدِ غُرْبَتِها الشَّماِليِّ البَعيد : تَرَكْتُ أُمّي وَحْدَها

قُرْبَ البُحَيْرَةِ وَحْدَها, تَبْكي طُفولَتِيَ البَعيدَةَ بَعْدَها

في كُلِّ أُمْسِيَةٍ تَنامُ على ضَفيرَتِيَ الصَّغيرةِ عندَها

أُمّي ، كَسَرْتُ طُفولَتي وخَرَجْتُ إمْرَأةً تُرَبِّي نَهْدَها

بِفَمِ الحَبيبِ . تَدورُ ريتا حَوْلَ ريتا وَحْدَها :

وبعد التجربة التي عاشتها (ريتا) في هذه الأرض الجديدة, تبيّن لها أنّ الإقامة الدائمة غير ممكنة. لا يستطيع هذان الشخصان أن يبقيا معًا, وأن يسكنا دائمًا مع بعضهما. يقول النصّ على لسان ريتا :

لا أَرْضَ للجسَدَيْنِ في جَسَدٍ , ولا مَنْفىً لــــمَنْفَى

في هذه الغُرَفِ الصَّغيرَةِ , والخُروجُ هو الدُّخولُ

عَبَثًا نُغَنِّي بينَ هاوِيَتَيْنِ , فَلْنَرْحَلْ ... لِيَتَّضِحَ السَّبيلُ

لا أسْتَطيعُ , ولا أنا , كانَتْ تَقولُ ولا تَقولُ

تبدو رغبة (ريتا) في العودة إلى موطنها الأصلي موقفًا واضحًا, بعدما أدركت أنّها غريبة عن هذه الأرض, و أنّ أهل هذه الأرض مرتبطون بها مكانًا وزمانًا, تاريخًا ووجودًا. لكن هل تستطيع (ريتا) أن تحقّق رغبتها في الرجوع ؟ أو أن تعبّر عن موقفها هذا ؟ لعلّ الواقع أرضخها, فبدت نشازًا في لحن نفسها. توصّلت إلى الحقيقة, لكنّها لا تستطيع التصريح بها, ولا تنفيذها. ويبقى اللقاء مع هذا الرجل جميلاً, فهو قصيدة، لكنّها لم تكتمل, أو أنّها تبقى في أدراج النسيان (مسوّدة) لأنّ التهديدبالقتل، يقف حائلاً دون كشفها وجعلها نصًّا متاحاً أمام القرّاء جميعهم . والإغراق في التفاصيل التي تبدو بسيطة لا تقلّ شأنًا عن السلاح الفتّاك الذي يحمل الشاعر على الرحيل, بينما جوارب سيدة،عاش معها أوقات الحب, تأخذ مكانها على الكرسي الذي بدأت تُعدّه من أوّل لحظات اللقاء. المكان يعرف وقع أقدام سكّانه, وربما الأحذية التي تقبّل بها الأرجل وجه التراب أيضًا. هذا عند أهله الأصليّين, أما الوافدون الجدد فهم غرباء عن المكان, لا وقع لأقدامهم فيه, وإن زُيّنت بالجوارب. إنّها خطوات نحو المجهول،  يفرضها شيء ما، يقف ظاهر النص لغزًا أمام تفسيره، لتبدأ تقنية البنية العميقة متمثّلة بالنصّ الغائب معرفةً لابدّ منها لتبيان الأساس الفكريّ والبعد المعرفيّ والمعنويّ الحقيقيّ الذي أراد الشاعر أن يرسّخه في أذهان قرّائه  .

تحيل البنية العميقة للنصّ على رصد موقف الشاعر من الصراع العربي الإسرائيلي، و لا سيّما الفلسطينيّ منه. وهي بنية رمزية؛ إذ تحيل (ريتا) بوصفها رمزًا،على الآخر اليهوديّ, ثمّ يتطور الرمز نفسه ليحيل على الآخر اليهوديّ الصهيونيّ, بينما يجسّد صوت الشاعر رمزًا للآخر العربيّ, والفلسطينيّ خاصّة .

وفحوى هذا الموقف يرى إمكان العيش المشترك مع اليهود في فلسطين, شرط التخلّي عن العنصريّة الصهيونيّة, ذلك أنّ اليهوديّة دين كبقية الأديان السماوية التي تسعى إلى ترسيخ القيم الإنسانيّة محافظةً على جوهر الوجود الإنسانيّ على هذه الأرض .

ورفضُ الشاعر للصهيونيّة ليس رفضاً عاطفيًّا فقط, إنّه عاطفيٌّ و فكريّ وإنسانيّ أيضًا. فماذا يكون موقف الإنسان نحو من يسلبه أرضه ؟ أو يدمّرها ويحرقها ؟ أو يدّعي ظلمًا وزورا أنّه ورثها عن الله عبر أنبيائه ؟ وإن كان ذلك كذلك فلماذا تحشد الصهيونيّة, باسم الديانة اليهوديّة, أشخاصًا وأناسًا لا صلة لهم بهذه الأرض إلا المكاء والتصدية على أطلال أوهام الحقد والبغض للشعوب ؟ ترسيخًا لتحقيق نزعة الأنا في بناء وجودها على أساس إفناء الآخرين, وفي أحسن الأحوال تسخيرهم لخدمتها وتحقيق رغباتها .

وبخلاف ما جاء في بعض الدراسات, لا نرى في شخصية (ريتا) بوصفها رمزًا للآخر اليهوديّ ثمّ الصهيونيّ , أيّ تناقض .

ولعلّ النصّ يشير في هذا المقام إلى أسلوب الصهاينة في استخدام فتياتهم من أجل شراء الأرض من الفلسطينيّين.  وبعيدًا عن هذا التقرير, تتّضح لنا (ريتا) بوصفها ذلك الرمز ساعية إلى تحقيق رغباتها, وإن كانت فردية ضيّقة أحيانًا, وهذا ما عبّر عنه البعد الجنسيّ من تشكيل صورة الرمز, لكنّها- بحسب ما نرى- لم تتجاوز الإطار النمطيّ لصورة الآخر الصهيونيّ في كثير من الشعر العربيّ .

أما خاتمة القصيدة فلعلّها ترسّخ فكرة حجب الحقيقة لتقرير واقع راهن, وهي عندنا ليست استسلامًا أمام الحلم الفلسطينيّ (مسوّدة القصيدة) من أجل أن تسلم المبيّضة فيتحقّق ذلك الحلم. إنّها تزييف وتضليل ومحاولة تجميل واقع فاسد بعيد عن الحقيقة, يحاول إلغاء حقّ الفلسطينيّ في العودة إلى وطنه, كما يعزّز إمكان جعل ما تبقّى من عرب فلسطين يهجرون وطنهم إلى المنافي المنتشرة في بلاد الشتات, التي لن تكون في يوم من الأيام وطنًا بديلاً عن فلسطين الأم والحبيبة والوطن : الأرض والتراب .

العتبات النصّيّة :

- العنوان : (شتاء ريتا) قصيدة من المجموعة الشعريّة (أحد عشر كوكبًا) الصادرة سنة (1992). ويبدو هذا النصّ لوحة تضاف إلى اللّوحات الأخرى التي ظهرت فيها (ريتا) في عنوانات قصائد محمود درويش .

أمّا الشتاء بطابعه الزمنيّ, وبعمق دلالته النفسيّة، فكان له نصيب من عنوانات أخرى في قصائد محمود درويش, نذكر منها (سيأتي الشتاء الذي كان) من مجموعة (ورد أقلّ) الصادرة سنة 1986،وفيه تجسيد لتكرار دورة الزمن, ومحاولة لتفجير اللحظات بنار ذكريات, يتّسع امتداد ليالي الشتاء لاستحضارها .يقول في تلك القصيدة :

سَيَأتِي الشِّتَاءُ الَّذِي كَانَ... لِلْمَرَّةِ العَاشِرَةْ

فَمَاذَا سَأفْعَلُ حِينَ يَجِيءُالشِّتَاءُ الذِي كانَ , مَاذَا سَأَفْعَلُ كَيْ لَا أَمُوتَ كَمَا

مُتُّ , ما بَيْنَ قَلْبَيْنِ , أَعْلَى مِنَ الغَيْمِ أَعْلَى ... وَأَعْلَى ؟

أُعِدُّ لَكِ الذِّكْرَيَاتِ , وَ أَفْتَحُ نَافِذَةً لِلْحَمامِ المُصَابِ بِنِسْيَانِ دفْلَى

وَ أَلْمَسُ فَرْوَ غِيَابِك ... هَلْ كان فِي وُسْعِنَا أَنْ نُحِبَّ أَقَلَّ

لِنَفْرَحَ أَكْثَر ؟ هَلْ كَانَ فِي وسْعِنَا أَنْ نُحِبَّ أَقَلَّ ... أَقَلَّ ؟

وبصورة أخرى يلتقطها الشاعر محمود درويش من الشتاء نلمح موقفًا من القمر بوصفه رمزًا لحبيب وعد ولم يفِ في قصيدة (قمر الشتاء)من مجموعة (عاشق من فلسطين) الصادرة سنة 1966. ولعلّه نور الخلاص المنبثق من عمق ليالي العتمة والمعاناة. يقول في القصيدة المشار إليها :

قلبي على قمر

تحجَّر في مكان

ويقال .. كان !

...

عيني على قمر الشتاء

وقد ترمَّد في دمي..

قلبي على قرص الدخان!

إنّه الشتاء , الذي تضيع الأشياء في عتمته, فتبدو غيابًا، و مجهولاً. غياب ذكريات, وغياب ضوء ونور, وحديث مع الماضي, وتسويغ لمواقفه, ورسم لقادم، وأبعاد مستقبل.

وشخصية (ريتا) تشكل نموذجًا فنيًّا في شعر محمود درويش يستحق البحث والدراسة. وهذا الاسم شكّل عنصرًا لغويًّا أيضًا في عنوانات قصائد لمحمود درويش، من مثل (ريتا والبندقية) من مجموعة (آخر الليل ) الصادرة سنة 1967, وهي القصيدة التي أدّاها غناء الفنان (مارسيل خليفة). وثمة ظهور آخر نلمحه في قصيدة (ريتا أحبّيني) من مجموعة ( العصافير تموت في الجليل) الصادرة سنة 1969. ولعلّها في النصوص المذكورة رمز للمرأة اليهوديّة التي يمكن أن تجسّد نموذجًا لعيش مشترك بين الفلسطينيين واليهود, والشرط هو الاعتراف اليهوديّ الحقّ بالآخر الفلسطينيّ, وتخلّيه عن صهيونيّته بوصفها حركة عنصريّة معادية للعرب .

أمام هذا الحقل الدلاليّ للعنوان, ضمن شعر محمود درويش, تتبدّى الملامح الدلاليّة بانفتاح العناصر اللغويّة المشكّلة له, وتجسيدها بعدًا (رؤيويًّا) يتجاوز الدلالة المباشرة إلى بعد رمزيّ .

عنوان القصيدة (شتاء ريتا) هو بنية لغويّة مؤلّفة من عنصرين, هما (شتاء) و(ريتا). و العلاقة الإسناديّة بينهما هي علاقة ذات إمكانيتين, فنحن أمام إخبار لابتداء محذوف, يقدّم صورة تقريريّة (هو شتاء ريتا) ممّا يعني حياديّة الذات الشاعرة . أو نجد أنفسنا مع ابتداء لإخبار محذوف (شتاء ريتا الطويل أو الجميل أو...) يعكس انفتاحًا دلاليًّا, وموقفًا غير حياديّ للشاعر من هذا الشتاء، ولعلّ القراءة الثانية تناسب الغنى الدلاليّ للنصّ أكثر.

أمّا العلاقة الدلاليّة بين العنصرين فيمكن استجلاؤها من حقل ما يحيل عليه كلّ عنصر, ربطًا بكلية النص . فالشتاء يحيل على طول اللّيل، مما يفسح مجالاً للحوار والحديث وتبادل الكلام و...كما يمكن أن يحيل على البرودة والقسوة والانكفاء على النفس، بسبب عدم القدرة على الخروج والتجوّل والسير في الدروب وارتياد الأماكن .

وريتا تحيل على شخصية المرأة غير العربية, وقد حاول أن يجسّد الشاعر هذا الموقف تصويرًا فوصف (نمشها المبعثر) وربطة شعرها (ذيل الحصان). كما تحيل على دفء الأنوثة, وأوار الرغبة, والاندفاع الجنسيّ نحو الذكر .

فنحن أمام علاقة متنوّعة, هي عناديّة في قراءة, ومكمّلة في قراءة أخرى . وهذا يعكس عدم الاستقرار في العلاقة, وتنوّعها, ووصولها إلى التناقض أحيانًا .

 

 

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
د.أنس بديوي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة