مراد داغوم موسيقي من زماننا!

العدد: 
15588
التاريخ: 
الأربعاء, 13 أيلول 2017

 برز اسم مراد داغوم بين أقرانه وأبناء جيله – الذين كنت واحدا منهم - مرتبطا بالموسيقا ونشاطاتها. كان في الصف الأول الإعدادي (عام 1968) عندما بدأت علاقته مصادفة بالهارمونيكا، مؤسسة على ما تلقاه من مبادئ موسيقية نظرية تحتفي بها مناهج المرحلة الابتدائية، بإشراف معلمين أكفياء، من أبرزهم موفق يعقوب آغا، ومروان إسحق الذي لقنه العلامات الموسيقية الأولى في بداية علاقته بالأوكرديون، حتى إذا نجح في عزف أغنية "آه يا زين!" شعر أن حياته ارتبطت بالموسيقا وأنغامها ارتباطا قاد خطاه إلى صداقات واسعة مع المهتمين بهذا المضمار في الحياة، فغدا في السبعينيات واحداً من مجوعة موسيقيين شباب يجمعهم أسبوعيا في منزله، مستفيدين من تألق روحه الوثابة على دروب الفرح الإنساني، بجلسات عزف وتعليم حميمة، واحد من أبرز موسيقيي حماة ومعلميها، هو ظافر الإمام، الذي كرمني الله بصداقته أيضاً، مع شقيقه الطبيب الأديب مروان،(أحد أقرب أصدقاء العمر إلى قلبي)، بفيض من مودات صداقتهما، ونور علومهما.
عندما يتكلم مراد على ذلك، يعدل من جلسته باعتداد، وقد غزا الشيب رأسه المثقلة بأحزان مبهمة، كأنه يحاول الظفر على قسوة الدهر، مستعيدا لحظات الموسيقا البعيدة، التي كان يحاول فيها تقليد تراتيل أصوات من تتلمذ لهم، وهي مطلقة العنان إلى سماوات علوية آسرة، فياضة بالمشاعر السامية، بينما يرد صداها الزمن، باعثا فيضا من فرح متدفق، في نفوس سامعيها، يستيقظ نوره بين هذه الحروف، بعد مرور عجلات سنوات طويلة، كأن الزمن وهمٌ عابر يعجز عن سرقة صدى الأصوات من أعمارنا.
لم ينشغل مراد بمتابعة دراسته عن الموسيقا، التي جرب التنقل بين عوالم آلاتها، فانتهت تجربته مع الكمان إلى فشل يقرّ به، معترفا أن الكمنجة تحتاج إلى أناة وصبر، أين هما من شخصيته المسكونة بالقلق! كان يتدارس تلك التجارب مع الأصدقاء، ولاسيما صديقيه الحميمين سمير عبد المسيح كلاس (الذي كان يعزف الإيقاع قبل هجرته إلى كندا)، وعبد المنعم إنطكلي المهتم بالسماع ... 
شهدت مرحلة دراسته باختصاص هندسة ميكانيك في جامعة حلب، تطورا لافتا في علاقته بالموسيقا، مكرسا جل اهتمامه لآلة الأورغ، وقدمه الطالب في كلية الهندسة المعمارية تلك الأيام، الياس باشا صاحب التجربة الموسيقية المميزة، بخبراته الواسعة في الأوساط الحلبية الموسيقية والثقافية، إلى فرقة (أجراس) التي كانت تحضر لتقديم مسرحية الرحابنة "جبال الصوان"، وعلى الرغم من عدم مشاركته في العمل، فإن أجواءه ظلت مبعث بهجة، مؤثرة في تجربته وتوجهاته المستقبلية ... مسّني غير شعاع من ألق تلك التجربة لطالب كلية العمارة ذاك وخبراتها، أيام الدراسة الجامعية، فاستضافني صاحبها في منزله بحلب في منتصف السبعينيات لأشاركه لقاء شعريا موسيقيا في كلية الهندسة المعمارية، أقرأ فيه بعضا من قصائدي الأولى، بمرافقة أنغام عوده وكمانه...
حفزتني مشاهدتي سلسلة من الحلقات الفنية التربوية في تلفاز دبي، بعنوان "باقة" من إخراج فنان حماة المتميز محمد شيخ الزور، منجزة في عام 1997، إلى تجديد اهتمامي بتجربة مراد داغوم الطويلة مع الفنون والحياة، فتلحينه وتوزيعه الموسيقي الجميلان لأغنيات وأناشيد تربوية في تلك الحلقات، كانا قادرين على إثارة أسئلة متنوعة حول تلك التجربة، التي تزدان بعشرات الأعمال الموسيقية الجديرة بالتحايا.

 

الفئة: 
المصدر: 
د.راتب سكر

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة