المقامة النرديَّة مقامات الدكتور غازي طليمات

العدد: 
15588
التاريخ: 
الأربعاء, 13 أيلول 2017

    تبسط هذه المقامة عرضاً لعادة اجتماعية تنتشر في أكثر من مجتمع، فبعد أن كانت اللقاءات تتم في مكان يسمَّى(المنزول) وفيه يتدارس ويتقارض القوم  الحكم والأشعار، وغير ذلك=انتشرت أماكن تسمى(المقاهي) يأوي إليها الناس بغية الاستجمام ، والترويح عن النفس، وتزجية الوقت، وفي كثير من الأحيان تنتشر ألعاب لم تكن معروفة أيام زمان ، يتسلى بها بعض المرتادين...
    وقد دُعي بطل المقامة (سيار بن عيار)إلى أحد المقاهي،وكان ذلك استجابة لدعوة صديق له ألح عليه في ذلك، فما إن استقر بصديقه المقام حتى طلب طاولة الزهر ودعا بطل المقهى للمبارزة والمنازلة، فحاول (سيار) التناهض لمغادرة المكان لعدم ارتياحه للجلسة، فما كان من صاحبه إلاأن  شده من ثيابه ، وألح عليه في البقاء، وأخذ(سيار) يطوف بعينيه فيما "يعتري وجوه اللاعبَيْن من سرور أو قهر،وما ينتشر من إشارة إلى مخايل التفاؤل و البشارة،والتشاؤم والخسارة".
    وقد تحلق المشجعون حول اللاعبَيْن، واشتد الصراخ والغضب، وتحوَّل النباح إلى كلَب،فما كان من سيار، وقد أراد تغييرما يراه منكراً بيده،فرمى النرد على الأرض،،فانهال عليه القوم باللوم، وتطور اللوم إلى لكم ولطم، ثم حُكم عليه بالطرد من المجلس،فأقسم يمينا لا رجعة فيها إنه لن يرتاد هذه المقاهي والملاهي، لأنها موطن الدواهي، وأخذ ينشد أبياتاً منها :
بطولة النَّرديا مغرورُ مسخرةٌ    
                تحوزُها بين تهويشٍ وتحريشِ
دفنتَ نفسك في المقهى لتُحرزها 
                       مُعربِداً بين تدخين وتحشيشِ
المقامة النردية
قال حبيب بن لبيب: سألت سيار بن عيار، في سمر من الأسمار، عما كان يمارس من ألعاب، في زمان الفتوة والشباب. فقال: لم يعرف جيلُنا مجاراة الأجانب، بالمباراة في الملاعب، والمغالاة في تلبية الرغائب. وكنت أُبغضُ المباذلَ والملاهي، وأُعرض عن المحافل والمقاهي, وأوثرُ مجالسةَ الكبار، والمؤانسة بالحوار. مع من يضمُّ ((المنْزولُ)) من الجوار، إما للمساجلة بالأشعار، وإما للاعتبار بأخبار الأبرار.
قلت: أليس الملهى من المنزول أجملَ وأشهى، والمقهى من الدور أحفل وأبهى؟ فامتعضَ سيار وقنط، وطاف بمحياه طائفُ السَّخَط، وقال: أَقَبِحْ بما ارتكبت من غلط!! ثم قال لي قولة لائم: كيف تفضلُ الرذائلَ والمغارم؟ على الفضائلِ والمغانم؟ الملهى جُعل للخمْرِ والقمْر، والطبل والزمر، والمقهى شُغل باللغو والشغَب، واللهو والصخب. أمَّا ((المنزول)) فقِيَمٌ تُلْتمس وتُذكر، وشيمٌ تُقتبس وتُشكر. ليس فيه ((شِطْرنجٌ)) يذيب العقول، ويُصيب اللاعبَ بالذهول، وهو ينقل الكعاب بين الحقول. ولا يضام فيه الإنسان ((بضامة))، يحني فوقها عنقاً وهامة، كمن يشدُّه إليها رسنٌ أمامَه، فلا يُحِسُّ بما حوله ولو قامت القيامة.
قال حبيب: أقلعتُ عن الضامةِ والشطرنج، وملاعبِ الأجانب والإفرنج، من حمر وشقر وزنْج. أتسمح أن أسألك سؤالَ مستشير، عن رأيك في ((النردشير))، أعنه تنهى أم به تشير؟ قال: ذكرتني بعد دهر، بما عانيت من الطرد والقهر، حينما جالست لاعبيْ ((النرد أي الزهر)). قلت بصِّرْني بما أبصرت، لعلي أَزدجرُ عنه كما ازدجرت.
قال سيار: دعاني عيارٌ مغامر، إلى مقهى يجتمع فيه السامر، ولم أكن أعلم أنه مقامر. فَما نَعْتُ في البداية, وطاوعتُ في النهاية، وأنا أجهلُ ما في المقاهي من زراية. فما كاد يستقرُّ بنا المقام، حتى صاح صاحبي: يا غلام، هاتِ ((طاولةَ الزهر)) والمدام، وادْعُ بطل المقهى لأسقيه الحِمام. فقلتُ سرًّا في نفسي، بعدما غمرت الكآبةُ حِسّي: لستُ من أهل التحدِّي، والمهاوشة والتعدِّي، والمهارشة والتصدّي، فلْأُعرض عن فرسان اللهو والشغب، ولْأَخرجْ من ميدان النزو والصخب.
بعد هُنيهة من صمتٍ واكْتئاب، تناهضتُ للانسحاب والإياب، فشدَّني العيار من الثياب. وحلف بأعظم الأيمان، ألا أبرح المكان، حتى أشهد الرهان، فقعدتُ وفي النفس انقباض، وفي القلب امتعاض واعتراض. ثم تبادل صاحبي وخصمُه الإنذارَ والوعيد، والتحذيرَ والتهديد، وأنا عن اليمين وعن الشمال قعيد، لا أُبدئُ ولا أعيد. لم أكن أنظرُ إلى الكعاب والزهر، بل إلى السرورِ والقهر، أي إلى ما في وجهَيْهما من إشارة، إلى مَخَايل التفاؤلِ والبشارة، والتشاؤمِ بالخسارة, فبئس القمارُ من تجارة!!
كنت أرى على صاحب ((الدُّشيش)) الابتسام والفرح، وعلى صاحب ((الدُّبارةِ. الاغتنامَ والترح. المتفائلُ يمدحُ ويُطري، والمتشائمُ يقدحُ ويُزري. أيُّهما سيفوز بقصب الرهان، وأيُّهما سيُمْنى بخزْي الخسران. فأنا لا أميزُ ((الشيشَ)) من ((البيش)) ولا ((الدُّوسي)) من ((الدشيش)). وكلُّ ما أعلمُه أنني أقتل الوقت، بسيف الصمت، ورمح المقت.
وبعدَ حين، أُحيطت المنضدةُ بالمشِّجعين، من واقفين وقاعدين، كأنهم هبطوا من عِلِّيِّين فهم صفوفٌ خلف صفوف، ورفوفٌ من الوجوه فوق رفوف. هذا يَسْتحسنُ فيمدح، وذاك يَسْتهجن فيقدح، وأنا بين الفريقين أغرقُ حيث أسبح. وحينما ساورَ الرهانُ خطَّ النهاية، وتعاورَ المتباريان قصَبَ الغاية، اشْتدَّ الصياحُ والصخب، واحْتّدَّ الصراخُ والغضب، وتحوَّل من النباح إلى كَلَب، يمورُ بشُواظٍ من لَهَب. فمعَ كلِّ حذْفةِ زهر زعْقَة، وبعد كلِّ نقْفةِ كعب صعْقة، وأنا مُختنق في هذه الزنقة. أدفعُ عن عينيَّ أنفاس المدخّنين، وأردعُ عن أذنيَّ صُراخ الصارخين. ليس أمامي طريقٌ يُرْتَفَق، ولا تحتي نفقٌ يُنْتفق، ولا فوقي حبلٌ يُعْتَلق. فأنا مقيَّدٌ بلا حبال، مغلولٌ بلا أغلال، في سجن مُقفل بلا أقفال.
حينئذ تذكرت قول البشيرِ النذير: من لعب بالنردشير، كمن أكلَ الخنزير. وقولَه -صلى الله عليه وسلم، ليعلِّمنا ما لم نعلم-: ((مَنْ رأى منكم مُنكراً فليغيِّرْه بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه. وذلك أضعفُ الإيمان)). فقلت: إذا كان لي يدٌ ولسان، فلماذا أقنعُ بأضعفِ الإيمان؟ واليَدُ من اللسان أطولُ وأوْجَع، وأفْعَلُ وأنجَعْ. فقلبتُ النردَ على الأرض، فتناثرت كعابُه في طول المقْهى والعرض. وانهالَ عليَّ القوم باللوم، والذمِّ والشتْم، ثم انقلب الشتمُ إلى لكم ولطم. وحكموا عليّ بالطرْد، من مقاهي ((الشطرنجِ والضامةِ والنرد)). فحلفتُ ألَّا أغشى الملاهي والمقاهي، لأنها مأوى المصائبِ والدواهي. وسلَّيْتُ نفسي عمّا فات، من الآفات والسخافات، بهذه الأبيات:

كم من ((هويشٍ)) بمجد النردِ مغشوشِ  
                           ظنَّ البطولةَ قهرَ ((البيشِ)) ((بالشيشِ))
وظنَّ في الزهر قوْسَ النصر قد رُفعتْ  
                            له، فطار بريشٍ منه منفوشِ
تخالُهُ سلَبَ الطاووسَ فْرْوَتَهُ  
                       إذا مشى مثلَ أدياكِ الأحابيشِ
                          * * *
بطولةُ النردِ يا مغرورُ مَسْخَرةٌ 
                           تحوزُها بين تهويشٍ وتحريشِ
إنْ حُزْتَها اليومَ طارتْ من يديْك غداً  
                             كما تطيرُ الرياحُ الهوجُ بالريشِ
دفنتَ نفسك في المقهى لتحرزَها  
                          معربداً بين تدخينٍ وتحشيشِ
                            * * *
فارجم بزهرك شيطانَ القِمار، وعِشْ  
                          في ظلِّ مُنْتَجَعٍ بالكرم معروشِ
فلا تظَلُّ ((بإيكي بيرَ)) مُمْتعضاً   
                          ولا تُساء لشيشٍ غاب أو بيشِ
ولا الأراكيلُ إمَّا قرقرتْ نشرتْ  
                         عليك سُحْباً كأذيالِ الخفافيشِ
واحلِفْ كحلفيَ لن تسعى إلى نُزُل
                           ((للنرْدشيرِ)) و((للشطرنجِ)) مفروشِ

الفئة: 
المصدر: 
أعدها للنشر د.وليد محمد السراقبي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة