ايزابيل الليندي تبوح بأسرارها

العدد: 
15606
التاريخ: 
الثلاثاء, 10 تشرين الأول 2017

من يتابع مسيرة الروائية التشيلية ايزابيل الليندي يكتشف السحر في تفردها والحميمية في بوحها ,وهكذا أعلنت عن نفسها منذ روايتها الأولى (بيت الأرواح) التي تؤرخ لفترة كارثية في تاريخ التشيلي المعاصر وذلك عندما أطاح الجنرال الدموي بينوشية بالرئيس المنتخب ديموقراطياً سلفادورالليندي , لتقدم لنا فصلاً مرعباً لمَا حدث , وتروي اللحظات الأخيرة من حياة الرئيس عندما اعتقل وتم اعدامه في معسكر ما .

ايفالونا ....سيرة ذاتية أم...؟

تضع مقدمة للرواية ...فقالت حينئذ لشهرزاد : بالله عليك ياأختاه ,قصي علينا حكاية نمضي بها الليلة...

طبعاً من ألف ليلة وليلة, هكذا هي ايزابيل مشبعة بثقافة  الأمم المغيبة قسراً عن المشهد الإنساني بفعل قوى الطغيان العالمي التي تصر ليل نهار بأنها وحدها من يمتلك مفاتيح المعرفة  والثقافة والحضارة ,إن ايزابيل الليندي منحازة لثقافات متنوعة وغنية ومغيبة ,وطبعاً منها الثقافة العربية الإسلامية ,وكأنها تقول لنا: أنا أنتمي لكم ,وأنتم تنتمون لنا(  تشيلي) وكقارة أمريكا اللاتينية ,إن الحرب الخفية والمعلن منها على الأمم والشعوب المستباحة بشراً وحجراً هي بفعل شيطاني غربي.

وتستهل روايتها قائلة: اسمي ايفا , وهو يعني حياة, حسبما جاء في كتاب بحثت فيه أمي لتختار لي اسماً . هذا مفتاح الرواية التي تؤرخ لفتاة بسيطة ,ولدت في مجتمع مثقل بالفقر والتخلف , لأن التخلف والفقر هما من نتاج صعود الطغم العسكرية المأجورة للولايات المتحدةالأمريكية تحديداً ,وتحكمها بالبلاد والعباد ,ودائماً كان يرافق الانقلابات العسكرية الوحشية ,ظهور دكتاتوريات دموية ,تزج بالسجون كل من لا يقف معها وتنفذ الإعدام الجماعي بالشباب والسياسيين المعارضين .

وهكذا تعيش ايفا حياة مثقلة بالتشرد والبؤس ,تنتقل من مكان لآخر ,في عملها الذي ارغمت على ممارسته كخادمة ,إلى أن ينتهي بها المشوار إلى بيت المهاجر العربي الكريم  رياض الحلبي الذي يحمل قلباً تسكنه الرحمة وعقلاً منيراً متسامحاً لأبعد حد إنساني , فينزلها منزلة الابنة , ولا يبخل عليها بشيء .وفي هذا البيت من الدفء الذي لم تعرفه سابقاً ,يحدث انقلاب جذري في حياة ايفا ,تتحول لإنسانة ذات فكر متقد بالحب والخير للجميع ,واثقة من فكرها , وشرسة وهي تدافع عن الآخرين , وتندفع للأمام محملة بطموحات كبيرة وجليلة ,لتضع أولى خطواتها في العمل السياسي ,وتنضم للعمليات الحربية( حرب العصابات) ضد الدكتاتورية البشعة .

أسلوبية ....ورشاقة...

لقد صاغت ايزابيل الليندي روايتها (ايفالونا) برشاقة سلسة جدأً, تملك أسلوبية بالسرد الساحر ,وكأنك تعيش تفاصيلها لحظة بلحظة , أن تأسرك بما تسر لك فهنا تكمن العبقرية الروائية , لا تدري بنفسك إلا وأنت تقلب صفحات هذه الرواية بمتعة وكأنك أحد أبطال هذه الرواية , تقدم شخصياتها دون تكلف أو تصنع لأنها شخصيات محملة بعبء كبير من الوجع والحلم , ومن يدقق بشخصية رياض الحلبي يكتشف دون عناء انحياز ايزابيل الليندي لصوت من الشرق يحمل كماً هائلاً من الحب والحنان والتسامح والإنسانية وهكذا يختلط الخاص بالعام وكأنك امام مشهد إنساني متشابك لدرجة التوحد , لقد أثبتت ايزابيل الليندي بأنها صوت روائي عالمي ,هي لسان حال النساء والرجال في بلدها ,هي خارج التصنيف كـ (أدب أنثوي ) هي صوت يحمل من الفرادة والألم والحلم الشيء الكثير.

 

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
محمد أحمد خوجة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة