مدارات هل تذكرون ؟

العدد: 
15607
التاريخ: 
الأربعاء, 11 تشرين الأول 2017

كان للحصة الدرسية التي ننتظرها وقع خاص في نفوسنا – نحن الطلبة – حصة ليست كغيرها من الحصص ، ساعة تمر ، ناعمة ، عذبة كما تمر الأحلام الوردية .

المدرس يدخل علينا هاشاً باشاً ، وقد تأنق في ملبسه ، ربطة عنقه بألوانها المنسجمة تتناغم مع القميص المكوي ، وفوق بذلته الأنيقة ( مريول ) أبيض مثل ( مراييل ) الأطباء ، يشع بياضاً ويشرق في قاعة الدرس ، حتى تخال أنك أمام ساحر وهو يحرك كفيه شارحاً موضحاً مسيرة الخطوط وانحناءاتها ، وتداخل الألوان واشتقاقاتها ، ونحن مأخوذون بأناقته ، منبهرون بحديثة وطلاوته ، ندير رؤوسنا أنى استدار ونتابعه بأعيننا كيفما خطا ، درس غير عادي ، يبدأ بكلمات منتقاة وإشارات مدروسة ، وتوجيهات تناسب أعمارنا في المرحلة الإعدادية .. ثم .. ثم .. تكون الانطلاقة ، نتأبط أوراقنا ودفاتر رسومنا وألواننا وأقلامنا ونخرج .

من باب المدرسة الكبير إلى الدرب الهادئ ، إلى أعلى التلة هناك نشرف على باب النهر ، وأشجار الحور والصفصاف ، نطل على العاصي الذي يتوسد حضن البساتين ، يشق طريقه بينها ، هادئاً ، مسترخياً ، آمناً .

يأخذ كل منا موقعه ، ومدرسنا يختار أنسب الأمكنة ، وأفضل الزوايا من أجل أخذ أحسن اللقطات .

الأقلام تبدأ ،أصابعنا النحيلة تسافر في بياض الورق ..

اخترنا أن نغازل شجرة حور هناك

أو أن نهمس لسقف بيت التمع تحت الضوء هنا

أو أن نوشوش صفصافة تميد عالياً في الفضاء

صار الرسم في أحضان المكان شغلنا ، صارت الخطوط والألوان والظلال هوايتنا .. أحببنا حصة الرسم ، أحببنا الانطلاق خارج حجرة الدرس ، لقد عصفت بنا نسائم الفن ، وعرفنا أولى الخطوات في دنياه المحلقة بعيداً .

أشياء لا تصدق كنا نقوم بها ، ومدرسنا أمامنا بأصابعه الساحرة المدربة يوجه خطوطنا ويناغم ألواننا ، وينقد لقطاتنا ..

ساعة ليست كالساعات ، تمر بسرعة ، وعيوننا تتألق بالمشاهدة المتجددة وانحناءة الصفصاف ، وتمايل الحور ، وهمسات النهر ووسوسة الحصى وترجيع الطيور من بعيد ، ملء أسماعنا ، ونحن (نخربش) فوق أوراقنا نرسم أحلامنا مطرزة بسحر المكان وشفافية الطبيعة من حولنا ..

لقد تبادلنا المواقع ، وأخذنا أجمل اللقطات ، من هنا التفاتة غصن ، ومن هناك التماعة زهرة ، والألوان أمامنا ، ونحن نغمس من أرواحنا التي اشتعلت .. أقلام المحبة ، وخطوط الأشياء ، لقد طفنا عند ذاك فوق السحاب ، وتعلقنا ببساط الريح ، وسافرنا في الأزرق الشفيف ، سافرنا  في الأحمر القاني ، والأخضر الداكن ، عبرنا شطآن المعرفة اللونية واجتزنا كل الخطوط والانحناءات ، أصغينا بقلوبنا الصغيرة إلى كل التنهيدات ، ورجعنا مع العصافير زقزقتها ، ومع اليمام الطائر هديله ..

كنا طلاباً ، وكان لنا أساتذة ، وكانت أيام .

ترى هل تذكر تلك  المقاعد الخشبية حضورنا .. المتوهج

 هل تذكر تلك الألواح نمنمة كتاباتنا فوقها ؟

أم هذه المحابر ، كل ذرة حبر سفحناها من أجل أن تضيء حروفنا ، وتورق كلماتنا ؟

وأنتم هل تذكرون ؟

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
نزار نجار

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة