قداديس الوطن

رغم القهر ..الفقر ..الفقد ...رغم كلّ التوابيت المكدّسة في مداخل مدننا وقرانا الممعنة بعويل الأمّهات ..الأرامل ..اليتامى.. رغم كل الخراب الجاثم فوق صدر النهارات المتشحة بتهويدة أم فوق قبر ضمَّ جثمان ابنها الوحيد، رغم ...ورغم هذا السواد المدلهمّ الذي يلفُّ العالم ..كلّ العالم ..ويلفّنا بشالات الأمّهات وهنّ يودّعن أبناءهن ...فيزفونهم بالأهازيج ..بالزغاريد ..وبالشعر الباذخ بالحنين وبالانتماء، رغم ..ورغم كلّ هذا وذاك .. رغم كلّ هذا وذاك إلّا أن ثمة ابتسامات لأطفال البلاد وهم ماضون نحو نهارات جديدة طافحة بالأناشيد ..

وثمة شمس تبتسم لحبّات الندى المتراقصة فوق وريقات وورود تفتحت فوق تربة قبور سَكَنَتَها من الأنبياء ورسل حقّ وخير وعدالة ..سكنتها قامات من الضوء ومن النور

.. سكنتها الشهداااااء ..أجل الشهداء

رغم كل هذا وذاك ..كنا ومازلنا وسنبقى كسوريين من هنا ..من على هذه الأرض المقدّسة نعلن وعلى الملأ وللعالم كل العالم أننا على قيد القصيدة والوطن ..

ونحن نشيّع شهداءنا هنا وهناك ونزفهم قرابين في معابد نورانية الوطن ومعنى قداسته وقدسيّته، هذه الطقوس لاتختلف أي اختلاف عن مهرجانات من ماء وضوء أقمناها هنا وهناك عن أعياد احتفلنا بها ومازلنا وسنبقى كاحتفالنا في أيامنا هذه بأعياد الميلاد.

نشعل الشموع ونحن نشيّع شهداءنا ..نرتّل القداديس ..نحتفل بميلاد رسول المحبة والسلام رسول القمح والزيت والماء الطهور نرتّل كل قداديس السلام التي تليق بعراقة هذا الوطن العظيم وبأبناء هذا الوطن الباذخ بالنور وبالخير وبالجمال ..

كنا وما زلنا وسنبقى أوفياء لحضارتنا الممتدة لآلاف آلاف السنين ..أوفياء لأساطينها وسدنتها ومؤسسيها ..أوفياء للعقول الفعالة التي أسست وأنتجت واخترعت أبجديات وسفناً اخترقت عباب البحر حاملة للعالم كل العالم أرقى مفاهيم الحب والحرية والحضارة والسلام ..أوفياء للعقول التي مزجت أول الألوان ..واخترعت أول المدونات الموسيقية ..ورسمت أول حقل ودجن البذور والغراس والحيوانات ..أوفياء للسواعد التي بنت القلاع والمدن التاريخية و..و....أوفياء لذواتنا، لأرواحنا، لتاريخنا، ..للسوريين الأوائل.

ولا يتأتى هذا الوفاء وهذا العرفان ..ولا يمكن أن يتعزز إلا من خلال الوفاء لسورية اليوم ..سورية الأم المكلومة الثكلى والمثخنة والطاعنة بالحزن وبالتوابيت.

الوفاء لها من خلال العمل على تعزيز ثقافة الانتماء ..ثقافة المواطنة ..ثقافة القانون ..ثقافة الحرية ..ثقافة البناء ..وقبل كل شيء ثقافة المحبة والتي نادى بها وعمل عليها كل الرسل والأنبياء والفلاسفة وغيرهم من أصحاب العقول والقلوب الطافحة بالجمال...

كنا ومازلنا وسنبقى كسوريين - رغم كل هذا العداء الذي يكنّه لنا أشرار العالم – نعمل على تعزيز ثقافة الجمال والخير والسلام في مواجهة القبح والشر والحروب ..لأننا نحن أبناء الحياة ..وعلينا أن نؤكد للعالم كل العالم أن السوري هو من سلالات قمح وزيتون وماء، وأننا أبناء الغمام الجميل ..نعشق المطر والينابيع، ونغنّي كلّ صباح للشمس وللحقول، ونطيّر عند الغروب كل حمام ويمام البيادر وبيوتات الحنين..

المجد لسوريتنا النور ..للسيد المسيح رسول المحبة والسلام في ذكرى ميلاده ..لأبنائه أبناء سورية الذين لو استجابوا لندائه حين قال:أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم، لما أصابنا ما أصابنا.

أو حاولوا فهم بعض أقواله التي تدعونا إلى التواضع والمحبة والحنان والقداسة في قوله :

"تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ " (متّى 11: 28-3)

إنني على يقين بأننا كسوريين نؤمن إيماناً مطلقاً بأن الله واحد خالق الخلق، باسط الرزق، وبأن الديانات هي رسائل موجهة من عند الله..كلها تصب في بوتقة العمل على الارتقاء بالإنسان ..بإنسانية الإنسان من خلال تنمية بذور الخير والمحبة والسلام المبذورة في أمداء روحه.

نعم لأنها سورية، ولأننا من وفي سورية، كنا ومازلنا وسنبقى كسوريين نشعل شموع المحبة ونعمل على المضي بها في كل شوارع ودهاليز الحياة لتنير كل القلوب المظلمة .. - المحبة التي نعمل على تعزيزها كشعار ونشيد مقدس لنا للخروج مما نحن فيه أو عليه ..لأننا بقدر ما نحن قادرين على ممارسة المحبة كفعل حضاري يليق بنا وبسوريتنا، بقدر ما نحن قادرين على إلحاق الهزيمة بكل مشاريع القبح والشر والحرب.

في هذه الأيام الطافحة بالأعياد ما علينا إلا أن ندعو للتمسك..بسوريتنا ..ببعضنا ..وذلك من باب الوفاء لحراس الضوء ..حراس الفجر ..شهداء الحق والخير والنور والسلام ..شهداء سورية ..

الكاتب: 
​عباس حيروقة
العدد: 
15659

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة