لاتكن فوق قمة الجبل

 مع أنّني لا أعرف قائل هذا البيت، إلاّ أنني أرفع له تحية الإجلال والإكبار , لحصافته وفصاحته, وخبرته في بواطن الأمور التربوية وظواهرها.

 قالوا غدوت موجّهاً فأجبتهم    ماكان أحوجني إلى التوجيه

 ولمن لايمتلك الخبرة في علوم اللغة العربية فإن (كان) هنا زائدة بعد ( ما)، التعجبية، وعلى هذا فمعنى البيت أن الناس يتحدثون عني بأن أصبحت موجهاً, ولكن في الحقيقة، أنا أعجب من قولهم لأنني بحاجة إلى من يوجهني.

 يعنّ هذا البيت على بالي كلما سمعت أحدهم  يشكو موجهاً عامله معاملة لاترقى إلى وصفها بالتربوية, أو يشعر بغبن ما, في معاملة مسألة تخصّه, وتخصّ عمله.

 منذ فترة ليست بالبعيدة  , كان اختيار الموجه التربوي أو الاختصاصي, يحتاج إلى مرسوم من رئيس الجمهورية, وأظن أن هذا الأمر مايزال معمولاً به في بعض الدول, حتى أيامنا هذه.

  وذلك للأهمية التي يتبوؤها من تسند إليه مهمة التوجيه, فالموجّه قائد, والقائد أول من يضحي, وآخر من يأكل، وآخر من ينام.

 لايخفى على ذي بصيرة أن السادة الموجهين  جزء من المجتمع الذي نعيش فيه, ويمثلون الشريحة التي يفترض  فيها أن تكون القدوة الحسنة, للسادة المعلمين والمدرسين, ذكوراً وإناثاً, وفي الواقع هم على درجات متفاوتة في السلوك, مثلهم في ذلك مثل شرائح المجتمع الأخرى.

 ولعل أخطر الأدوار  التي تلعبها المؤسسات في أية دولة , هو الدور الذي تلعبه المؤسسات التربوية وذلك لأنها تتعامل مع الإنسان الذي ينشأ في صغره  صحيفة بيضاء قابلة للنقش عليها كل غثّ أو ثمين, وكل جيد أو رديء.

 وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة     جاءت على يده البصائر حولا

 وللأهمية قال أحدهم:

 أسلموا لي قيادة التربية وأنا كفيل بأن أغيّر وجه العالم.

 وفي الحقيقة:

 (مهنة الصاغة من أثمن المهن لأن مادتها الذهب, ومهنة المعلم من أشرف المهن لأن مادتها الإنسان).

 وبعض الموجهين تغيب عنهم مثل هذه المعاني السامية, أو هم يغيّبونها عن سابق تصميم، ويعتبر هؤلاء أن التوجيه فرصة لفرض دكتاتوريتهم على من يشرفون عليهم، وكأن هؤلاء لا رأي لهم ـ مخالفين بذلك أبسط القواعد الناظمة لعمل التوجيه. هل يجوز أن نذكّر هؤلاء بأن التوجيه عمل أخلاقي قبل أي شيء؟

 ومثل هؤلاء ـ برأيي الشخصي ـ لايُلامون, لكن اللوم يقع على الوزارة لأمرين:

 الأمر الأول: هو اختيار هؤلاء دون إخضاعهم لروائز وشروط لاتخطئ، الأفضل فالأفضل .

 والأمر الثاني : وهو عدم إخضاعهم لدورات تُعطى فيها محاضرات التعامل بأخلاق, قبل التعامل بالأرقام واللوائح التوجيهية.

 إلى هذه الفئة أقول: لقد كنت إلى فترة قريبة معلماً, أو ، مدرساً، فلا تنظر إلى زملائك من عَلٍ, وإذا رأيت نفسك في قمة الجبل فإن الذين في السفح سيرونك صغيراً.

وأما زملائي الذين يمارسون توجيههم بكل لطافة, وذوق ، وأخلاق، فلهم طاقة ورد بنكهة إكليل الجبل وعبير الخزامى.

الكاتب: 
أحمد المحمد طه
العدد: 
15664