الأستاذ شفيق منصور ... وتاريخ تربوي وثقافي حافل ( 1 – 2 )

العدد: 
15664
التاريخ: 
الثلاثاء, 9 كانون الثاني 2018

في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي , أي قبل خمسين عاماً أو يزيد ، كنت فرداً من أفراد فرقة الجراميز الكشفية ، التابعة لمدرسة نور الدين الشهيد الابتدائية تلك المدرسة التي تابعت فيها مراحل دراستي الأولى ... كان لفرقة الجراميز هذه وجود أنشطة متعددة , منها الداخلية ومنها الخارجية , وأخص بالذكر المشاركة في الاحتفالات والمهرجانات التي تقام في مناسبات وطنية ، وما أكثرها في تلك الأيام !.

وفي إحدى تلك المناسبات ، وأظنها كانت احتفاءً بذكرى قيام الوحدة بين القطرين الشقيقين مصر وسورية ... طلبت منا مديرية التربية والتعليم ، كما كانت تسمى آنئذ ، الاستعداد للقيام بعرض كشفي يجوب شوارع حماة وساحاتها , وطلبت من مدرستنا أيضاً أن تفتح أبوابها في اليوم الموعود لاستقبال فرق مدرسية مختلفة , حيـث إن باحتنا سـتكون مركزاً للتجمع ومنطلقاً تتوجـه منه هـذه الفرق إلى مكان العرض .

 وفي التاريخ المحدد , وبدءاً من الساعة  المقررة ، طفقت الفرق الكشفية تصل تباعاً إلى مدرستنا ، وكنا نراقب بلهفة وشغف كل فرقة قادمة , ونلاحظ ما يقوم به قادتها وكشافوها .

وكان من بين هذه الفرق ، فرقة يسيطر عليها النظام والانضباط سـيطرة تامة , وكان أفرادها ملتزمين التزاماً كاملاً بما يمليه عليهم قائدهم , وقد قامت هذه الفرقة بالسير أمامنا وفق أصول النظام المنضم , كما قامت بتقديم بعض الفقرات الكشفية , وكان صوت قائدها الجهوري يلعلع في الباحة وهو يصدر أوامره التي تتعلق بهذه التدريبات , وكانت جدران المدرسة الصماء تردد صدى هذا الصوت عالي النبرات , وكأن صاحبه ضابط ذو رتبة عالية ، يتعامل مع جنود إحدى الكتائب العسكرية , وقد شعرنا بأن هذا القائد حازم في تصرفاته , شديد في معاملاته , قاس في أوامره ونواهيه , فامتلأت قلوبنا الصغيرة خوفاً وهلعاً , وكادت أن تتخلع من صدورنا , وبخاصة عندما عاقب أحد كشافيه بالزحف على الأرض الباردة , نظراً لتهاونه في الانصياع لبعض الأوامر , وكانت عقوبة عسكرية رادعة نراها لأول مرة في حياتنا المبكرة .

وعندما انتهت الفرقة من التدريب , وأعطيت لها فترة استراحة ... اقترب قائدها منا , فكدنا نفر من أمامه .. لكنه نادانا بلهجة محببة , وطلب منا أن نشاركه في جولة اطلاعية يمر بها على صفوف مدرستنا , فقمنا بذلك مكرهين ، لأن تحبّبه في البداية لم نقتنع به , ولكننا فوجئنا في أثناء الجولة بأن هذه الشخصية الحازمة , المنضبطة , الشديدة , القاسية ... قد انقلبت رأساً على عقب ! ... ووجدنا أمامنا إنساناً مختلفاً في مواصفاته عن المواصفات التي  كوناها عنه بادئ ذي بدء .... بادرنا بالمزاح ، وتعامل معنا بلطف ، وسألنا عن أحوالنا وأوضاعنا ، وأشعرنا بأنه أخ كبير يشعر بشعورنا , ويهتم بشؤوننا , ويصغي إلى أحاديثنا وتعليقاتنا ... وأدركنا بأن هذه القسوة المفتعلة ما هي إلا لبث النظام بين عناصر فرقته , كي تلتزم بما تتطلبه الحياة الكشفية من انضباط لا حدود له... وأن هذه اللهجة الحادة والحازمة التي قرعت أسماعنا قبل قليل ، تخفي وراءها قلباً رقيقاً مفعماً بالحب والعطف والحنان الأبوي .

هذا هو اللقاء الأول مع القائد الكشفي الراحل ( محمد شفيق منصور ) , بل هذا هو الانطباع الأول الذي رُسِم في مخيلتي عنه ... وما كان لي أن أراه بعدئذ إلا في مناسبات كهذه .

في مطلع السبعينيات من القرن الماضي ، وعندما انتعشت الحركة الكشفية الأهلية في حماة انتعاشاً يفوق ما كانت عليه في السنوات السابقة , أضحت هناك صلات أمتن وعلاقات أقوى بين الفرق والأفواج الكشفية المحلية , وقد أتاح لي هذا التقارب الكشفي أن أتواصل مع الأستاذ شفيق منصور أكثر فأكثر , وبخاصة أن لقاءاتنا باتت متعددة , سواء في مقر مفوضية كشاف حماه الكائن في محلة النهر , أو في مقر إحدى الفرق أو الأفواج الذي يحتضن نشاطاً كشفياً مشتركاً .

  • ولد محمد شفيق منصور عام 1928 في حي الشرقية بحماة , واعتادت أذنه سماع صوت نواعير البشريات , وأثّر أنينها في تفتح مواهبه وتقوية مداركه ، بدأ حياته الكشفية عام 1936 في فرقة آل الشقفة التي تحولت فيما بعد إلى الفوج الأول ( سعيد العاص ) ... وقد نال في تلك الفرقة شهادة درجة المبتدئ , ثم شهادة الدرجة الثانية ... بعدئذ انتقل إلى الفرقة الكشفية الثامنة  , حيث أصبح نائباً لقائد الفرقة الأستاذ وحيد الشعار , وفي هذه الفرقة تابع دراسته الكشفية إذ نال شهادة الدرجة الأولى , ثم شهادة الشارة الخشبية التي تعتبر بمثابة دكتوراه في العلوم الكشفية والتربوية ... واستمر الأستاذ شفيق منصور في نشاطه الكشفي حتى مطلع الثمانينيات .. وعندما طرحت فكرة إعادة الكشفية في أوائل التسعينيات ( إثر استضافة سورية لاتحاد كشاف لبنان في معسكر الشيخ غضبان وتشكيل ما يسمى بجمعية الكشافة والمرشدات السورية , التابعة لاتحاد شبيبة الثورة وعلى رأسها الأستاذة رائدة صياح ) ، استُدعي الأستاذ شفيق لتدريب مجموعة من الشباب على بعض الأعمال الكشفية , كما جرى تكليفه بتشكيل فرقة كشفية جديدة في حماة , لتكون نواة لفرق وأفواج كشفية أخرى , وكلف أيضاً بالاتصال مع قادة قدامى لديهم شهادات كشفية عالية , أو عندهم خبرات كشفية سابقة , وقد وضع هيكلاً مبدئياً لهذه الفرقة المقترحة بأقسامها الثلاثة : أشبال , كشافة , جوالة , وقد أصرالأستاذ شفيق على تسمية الفرقة باسم المجاهد سعيد العاص ( اسم فوجه القديم ) ... ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن , فقد توقفت هذه المبادرة فجأة وتم الاستغناء عن فكرة إعادة الكشفية ، لظروف خاصة لم ندركها في حينها .

في منتصف العقد الحالي , وبعد عشر سنوات تقريباً من المبادرة الأولى التي أخفقت ... عادت الفكرة إلى الظهور ثانية , ولكن بشكل أقوى , وتمت إعادة الترتيب الهيكلي القديم لرئاسة كشاف سورية , وتم تشكيل لجنة تنفيذية عليا في العاصمة , ولجان مركزية فرعية في المحافظات السورية الأخرى , وقد رحب الأستاذ شفيق بهذه المبادرة الجديدة , وأبدى استعداده للعودة إلى نشاطه الكشفي , فسارع إلى تقديم ترخيص رسمي باسم ( الفوج الأول ) من جديد , وضمّنه عدداً من زملائه القدامى , وكان يتمنى من كل قلبه أن يعيد تأسيس هذا الفوج القديم ...كان هذا حلمه الكبير ، وكان يحز في نفسه أنه مازال بعيداً عن التحقيق ، وتوفي رحمه الله وأمنيته ما زالت معلقة بين أخذ ورد ! ...

  • بالإضافة إلى نشاطه الكشفي , كان للأستاذ شفيق دوره المتميز في
    الحقل التربوي .

فهو قد تخرج عام 1947 من دار المعلمين , ليمارس مهنة التعليم في مدينة حماة ، وفي مدرسة سعيد العاص لمدة سبع سنوات , انتقل بعدئذ إلى العمل الإداري واستلم إدارة مدرسة الأنصار عام 1954.

ثم إدارة صقر قريش عام 1956 , ثم في مطلع الستينيات استلم إدارة مدرسة سعيد العاص وبعدها إدارة مدرسة عقبة بن نافع ... وكان إدارياً حازماً وتربوياً ناجحاً ، ولم ينس خلال عمله التعليمي الأنشطة الكشفية , فقد كان مشرفاً عاماً على الفرق الكشفية المدرسية , التي كانت موجودة في تلك الأثناء , ولها نشاط متميز في المدارس التي يديرها .

كان الأستاذ شفيق منصور كتلة من الحيوية والنشاط , حتى وهو في السنوات الأخيرة من حياته , كان يحاول أن يمارس عدة أنشطة في آن واحد , وأن يمسك مجموعة من الأمور بقبضة واحدة , فتراه يقرض الشعر ، ويهتم بالفلكلور الشعبي , ويحيي التراث والأمثلة المحلية , ويكتب في مواضيع شتى , ويتابع مهنة التربية والتعليم , ويستعيد تاريخنا العربي الحافل .... ولم تكن سنة المتقدمة تحول دون
ذلك , ولم يكن بلوغه الثمانين يمنعه من السير إلى ما خطط له , كان يعمل بالقول المأثور اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ..

ويخيل لمن يراه , أنه أمام شاب في مطلع العشرينيات ، له حماسة الشباب , واندفاع الشباب , وطموح الشباب , كان ذا همة عالية , وجسم رياضي متناسق , وحركة مستمرة لا يكل صاحبها ولا يمل ! ...

كان الماضي يشده بقوة , وكان يحن إلى تلك الأيام التي كان فيها قائداً
حازماً ، ومعلماً ناجحاً , ومربياً قديراً ...... أتاه الموت فجأة وكان لخبر وفاته وقع شديد , تلقيناه بين مصدق ومكذب , ولكن هذه هي سنة الحياة , وإنا لله وإنا إليه راجعون .

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
د . موفق أبو طوق