قصة قصيرة ذبلت ورودي ... وماتت

العدد: 
15665
التاريخ: 
الأربعاء, 10 كانون الثاني 2018

خرجت من مكتبة بعد لقاء قصير مظلم .. لأبحث في الحديقة المجاورة لمكان عملي عن أرض يسكنها عشب أخضر ...

جلست أتلمس التراب بيدي لعلي أشعر بدفء الأمان .. أسندت ظهري إلى جذع شجرة شامخة منذ زمن بعيد قد زرعت لأن أغصانها ترسم الظلال والرطوبة . سرحت بذاكرتي إلى زمن صداقتي معه . وتساءلت !

  لماذا تغيّر ..؟ لماذا أنكر صداقتي وعلاقتي به .. ؟ أنا زميلته في العمل وكان ينادني دائماً برفيقة دربه .. لقد عرفته منذ سنوات طويلة .

  لماذا تسلل برد المكاتب إلى أضلاعه فتجمدت الصداقة التي جمعتنا كقطعة ثلج ..؟

  لماذا خشبت المناصب قسمات وجهه , ومحت ابتسامته حتى غدا كتمثال غيرت قسوة الزمن ملامحه .

كانت ابتسامته بريئة , ونظراته دافئة , تشع حناناً وعطفاً . لم يعد صديقي يشبهه أبداً . ولم أعد ألمس بكفيه دفء عاطفة صادقة .

الآن يصمت القلب وتغرق النفس في غلالة من الحزن العميق . أمنياتي كلها تكسرت ... وتحطمت كزجاج أخطأ صانعه النفخ فيه فخرج من بيت النار غير ما يشتهي الزجاج .

كان صديقي رجلاً شهماً بكل ما في الرجولة من معاني سامية .. يحب الحياة والتسامح .. والصدق . لقد تغير كثيراً .. كثيراً ..

لكن لا أدري .. لماذا سبب لي هذا الحزن والأسى ؟ كان حتى وقت قريب صديقاً .. وفياً .. حنوناً .. تلوذ به النفس عند الشدائد , ولكن جاء وقت وتسلم الصديق منصباً مرموقاً أبعد مكتبه عن الجميع .

كان صديقاً .. وكان عزيزاً .. وكانت لهفة لقائنا تنشر عبق الحب ودفء العاطفة في كل مكان ...

أحلام كبيرة رسمتها مخيلتي لمستقبلي معه ...

دار الزمن . وأصبح هو المدير , وتغيرت لغة الحوار بيننا , وصار اللسان يخشى الخطأ بإغفال للقب الصديق .

ابتعدت عنه وتركته , وقدمت استقالتي دون أي حوار عابر بيننا ...

لم أعد احتمل من كان صديقي وحبيبي أن يتعالى ويتعجرف ويغمض عينيه عن كل أصدقائه بهذا الشكل ...

وتساءلت : من هذا الذي أغمض عينيه عن كل من حوله ونسي من يعرفهم . . !!

إنه ليس الذي أعرفه أبداً ... أبداً

لم أعد أشعر كم مر من الوقت وأنا في الحديقة .. أفترشت عشبها الأخضر

وجلست ساعات وأنا استعيد بذاكرتي كل ما جرى معي اليوم ومنذ شهور إنه واقع كان قاسياً جداً .

عدت إلى البيت متعبة متألمة . استقبلني وجه ( أمي ) ببسمة تغلغلت في داخلي كنسمة ربيعية دافئة . لتمحو ما خلفه الصديق من هموم وأحزان وبصوت مختنق بالقهر والألم . قلت لها وأنا أسند رأسي المتعب على كتفها :

  أمي .. إن بي حزناً .. وكآبة .. ووجعاً .. لقد أكلت الدهشة عقلي .. ووجهي . والتساؤل .. لقد قتل ما تبقى من أمل .

إن هذا السيل الجارف من الحيرة فيما رأيته لن توقفه نظراتك الحالمة , لن تداوي وجعي لن تنتشلي من خلجات غربتي . أتدركين أمي عمق ألمي ..؟

اليوم ذبلت ورودي .. وماتت ..

وجاءني صوت أمي الذي لا أنسى نبراته أبداً :

تعالي .. لنقلب الصفحة عن صداقة هذا الرجل الأناني , لقد باع روحه لأشباح الظلام وأحب ذاته فغدت صحبته موحشة .

 

الفئة: 
الكاتب: 
رامية الملوحي