الجنون رقصاً ونطّاً.!

تحملك قدماك إلى أماكن شتى في مختلف الاتجاهات وأنت راضٍ عن المكان المقصود  لأنه يوائم طبيعتك ـ الجديدة ـ وينسجم  مع أهوائك، والنهج ـ الجديد ـ الذي اختطيته لنفسك وينحصر في تفضيل وإيثار الملاذات الهادئة, والتي يمكن أن تجني من ورائها بعضاً من فائدة, وشيئاً من نفع .

 وتسحبك القدمان ـ في بعض المرات ـ سحباً, وتجرّانك جرّاً لحضور مناسبة عزيزة, وتلبية دعوة غالية ملحّة لاتنفع معها الأعذار كي تتغيب عنها, أو تفلت منها، فتنساق ملبياً راضخاً وـ مكرهاً ! ـ لتنضمّ إلى المدعُوّين والحضور, في حفل العرس  المأثورـ وما عليك إلا الاستعداد للمشاركة في أمسية عصماء .. وليلة ليلاء.!

 وها أنت ذا تدخل الصالة المنشودة, وتقدم  التهاني لأصحاب  العلاقة متمنياً للعروس الذي سيأوي إلى القفص ( الذهبي ) الرفاء والبنين, ثم تتوجه إلى ركن يكفل لك مشاهدة البرنامج ـ والوقائع ـ كما يضمن شيئاً من البعد عن أجهزة تضخيم الصوت التي ستهدر صافعة الآذان بالغناء والألحان.

 الأمر الأكيد , والقطعيّ , هو أنك لن تسمع أنغاماً عالمية كرباعيات لــ ( فاغنر ) ومقطوات لـ ( شوبان )، وسوناتا لـ ( موزار)، وغناء لـ ( بافاروتي).. ولاحتى للمشاهير  في عالمك , مثل : عبد الوهاب  ـ السنباطي ـ المكاوي  ـ الأطرش  ـ الصافي ـ الـ..

 ماتسمعه وتراه ـ غالباً  ـ في هكذا مناسبات يذهلكَ , ويذهل الحاضرين ـ خاصة الشباب ـ والفرق كبير في الذهول بين الحالتين. .!

 ومع أنك من أرباع العشاق للغة الموسيقية العربية والعالمية التي تعبر وتتجاوز الحدود.. مع هذا فأنت بمرتبة الجاهل, والأميّ , وعديم الثقافة  النغمية ـ المعاصرة تحديداً ـ لأنك قاصر عن معرفة وفهم وترديد  الكلمات.. ولاتدري من المؤلف, والملحن، والمغني الأصلي.. بالتالي يصعب عليك الاندماج  والانصهار في خضمّ الهائجين, والمعمعة الاحتفالية. !

  هناك أغنية  يلحّ جمهور الراقصين في الحلبة على سماعها فتلبي رغبتهم الفرقة الموسيقية المؤلفة من عازف ( أورغ) وطبّال  و ـ ربما ـ اثنين يتناوبان على الغناء  ورفع العقيرة , وبثّ الحماسة والهيجان في نفوس و أبدان الراقصين قبل الحاضرين.

 الأغنية المرغوبة, والمطلوبة ترتكز على جملة ـ تشبه اللازمة ـ يصيح فيها المغني بالحشد الراقص  قائلاً:

 جنوا .. نطّوا .. جنّوا.. نطّوا

 نطوا .. جنوا .. نطوا .. جنوا

 وتغلي حلبة الرقص , ويفور الميدان المتواضع  بالأجساد التي تقفز ثم تجلس القرفصاء, ثم تنطّ عالياً, وتعود إلى القرفصاء مُلبية صرخات المغني, ومستجيبة لطلباته  في النطّ, والجنون . !

 هنا .. تأخذك الأفكار , وتسرح بك  المخيّلة فتذكّرك َ بقصة ( زوربا)  للروائي  اليوناني ـ العالمي  ـ نيكوس كازانتزاكس.. وتستعرض شريط الذكريات , وكيف أن بطل القصة يلوذ بالرقص الإيقاعيّ  والإيمائيّ الخفيف والعنيف معاً  ليطرد الكآبة الداهمة والمعششة وليسلو هموم الحياة والأحياء.

  وإن استفضت في الحديث  عن فوائد الرقص ـ بلا جنون .! ـ  فلا يغيبنّ عن بالك أنه ـ  أي الرقص ـ يجعل في العضلات ليونة, وفي الخصور  مرونة , وفي الأعصاب ركونة , بعد أن ينفض العفونة.! ويطلق الرعونة ، والحركات المجنونة.!

 

  

 

 

الكاتب: 
غزوان سعيد
العدد: 
15682