هنا دمشق

عفواً هنا حماة....لأستدرك قبل أن يظنَّ السَّادة القرّاء بأنَّني أجهل  صدور جريدة الفداء من حماة وليس من دمشق ، ولكن للعنوان أشجان ...ولدمشق في قلبي عشق .

هنا دمشق ... عنوانٌ أعادني بالذاكرة نيفاً وعشرين عاماً إلى الوراء عندما أقمت فيها طالباً لبضع سنوات ،وجنديَّاً لبضعٍ أُخر ، ثم هجرتها فجأةً تاركاً فيها شيئاً  من ذكرياتي ...أحلامي ...شيئاً من نفسي...من ذاتي .

ومع أنَّني لم أهجرها بمعنى العبارة الحرفي، ولكنَّني لم أزرها خلال السَّنوات العشرين الَّتي خلت إلَّا لبضع مرَّات وكنت فيها كضيفٍ خفيف الظِّل ، فلا أكاد أصلها صبحاً حتَّى أغادرها ظهراً أو مساءً حسبما تقتضيه وتتطلبه طبيعة عملي، إلَّا أنَّني هذة المرَّة كنت ضيفاً ثقيلاً عليها ..خمسة أيَّامٍ بلياليها كنتُ فيها لا أُحتمل ..مملاً..مبرماً..ضاقت بي الفيحاء ذرعاً وامتعضني قاسيونها وصار يردِّد مبربراً مخاطباً إياي قول شاعرنا العربي  :

يا مبرماً أهدى حمل

 خذ وانصرف ألفي جمل

قلتُ: وما أوقارها؟

قال: زبيبٌ وعسل

قلتُ: ومن يقودها؟

قال لي : ألفي رجل

قلتُ :عبيدٌ لي إذاً

قال: أجل ثم أجل

قلتُ :فإني راحل

  قال: العجل ثم العجل

ولكنَّني لم أرحل ـ رغم كل تلك المغريات ـ  ولم أغادرها إلاَّ بعد أن زرت مجدَّداً معظم معالمها التَّاريخيَّة فتسمَّرت باستعدادٍ أمام عظمة قاسيونها وشموخه، وقدَّمت التَّحيَّة العسكريَّة له كجنديٍّ معجب بقائده، ثمَّ انطلقت بعدها أجوب شوارعها وأزقَّتها، فزرت الأمويين من ساحاتها ، والعباسيين أيضاً ،ووقفت بإجلالٍ أمام عظمة مكتبتها الأسديَّة العريقة، وزرت جامعها الأموي بعد أن سلَّمت بشوقٍ على أقدم جامعاتها و...و...و..ولو كان لديَّ متَّسعٌ من الزمان بل من المكان وهنا أقصد  ضيق صدر الزاوية  الصحفيَّة    ـ لكتبت لكم وبإسهابٍ عن عظمة وتاريخ كل ما ذكرت، وما كنت سأذكر، لأنَّ كل أثرٍ من آثارها يحتاج لزاويةٍ مستقلَّة ومقالةٍ منفردة، ولكن دفعني لكتابة أسطري هذه ذلك الإباء والشُّموخ والعظمة والإصرار على التَّحدي والصمود والمقاومة الَّذي ما يزال يزيِّن جبين قاسيون ، فها نحن اليوم على وشك أن نضع أرجلنا في ظهر السَّنة السَّابعة من عمر الأزمة السُّوريَّة الَّتي تكالبت علينا فيها كل قوى الشَّرِّ في العالم بقصد النيل من سوريتنا على وجه العموم ومن عاصمتنا على وجه الخصوص  ـ إلاَّ أنَّك ترى بأنَّ دمشق كانت وما تزال تلك الصَّخرة الَّتي تحطَّمت وتتحطَّم عليها قرون كل تلك الوعول الَّتي حاولت كسر إرادتها فانطبق عليها قول شاعرنا :

كناطحٍ صخرة يوماً ليوهنها

                      ولم يضرها وأوهى قرنه الوعل

طبعاً ،هذا الصُّمود ،وهذا التَّحدي ،ما كان ليكون لولا الوفاء المتبادل بين الثُّنائية الَّتي جمعت  السوريين مع قائدهم الَّذي بادلهم الحب بالحب ،والوفاء بالوفاء، على امتداد مساحة الوطن.

 

 

 

 

 

الكاتب: 
أحمد محفوض حسن
العدد: 
15684

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة