سرب التوائم.. جيران الاستوديو

العدد: 
15686
التاريخ: 
الخميس, 8 شباط 2018

في أحد الأحياء, وعلى سطح بناء مؤلف من خمسة طوابق كان هناك استوديو لتعليم الرقص, وكان نشيطاً جداً قبل الحرب.

بعد قرابة سنة من هجرة معظم أهالي الحي تدمرت واجهة الأستوديو المطلة على الشارع الرئيس للحي بقذيفة, وبقي من الأستوديو الحيط الداخلي الكبير الملبس بالمرايا.. بعض المرايا تكسرت وبعضها بقي معلقاً رغم تشققها.. لكن معظمها بقي بحالة سليمة. كان حيط المرايا يعكس واجهة البيت التي بقيت قائمة على سطح البناء المقابل الذي كان يبعد ستة أمتار فقط .كان في البيت عائلة مؤلفة من خمسة أفراد:  أب وأم وطفلين توأمين وجدة عمياء هي والدة الأب.

هذه العائلة من العائلات القليلة التي لم تهجر الحي.  وحين حدث ما حدث كان ظهور المرايا المفاجئ مزعجاً جداً لأنها تعكس كل تحركاتهم على السطح، لكن مع الوقت صارت تؤنسهم ..صارت تعطيهم إحساساً بالأمان. كانوا يظنون بأن هناك حياة ثانية منفصلة عن حياتهم، وأن هناك جيراناً ساكنين ببناء الأستوديو، ولاختصار الكلام سموا انعكاساتهم: (جيران الأستوديو) كانت نكاتهم ومزاحهم عن جيران الأستوديو من أهم المواضيع المسلية في حياتهم الرتيبة.

للأسف .. الجدة العمياء كانت عاجزة عن مشاركتهم بالرغم من وصفهم التفصيلي الدقيق للحالة. أصوات الموسيقى التي كانت تصدر من الأستوديو والتي كانت تزعجهم اختفت منذ زمن, ومعظم أبنية الحي ما عادت موجودة, صارت على الأرض.

 كانت المرايا تعكس حياتهم.. حياة حقيقية موجودة بشدة لدرجة أن الأب بات مقتنعاً بأن المرايا كانت تعكس صوت الراديو.. كان مصراً أنه يسمع ارتداد صوت الراديو دائما بفرق أجزاء من الثانية, وكانت الجدة توافقه على هذه الفكرة ويجلسان للاستماع معاً. كانت الأم أحياناً، وعندما تكون واقفة على الشباك المقابل تقول بينها وبين ذاتها: كان عندي توأمان! والآن صارت كل واحدة منا عندها توأمان! حتى ولديّ التوأمين صار عندهما توأمان .وتسكت ،وتضع يدها على خدها وتصفن بجارتها وكل منهما تسيل دمعتها. كان هناك سرب حمام يحط بشكل دوري قرب المرايا. كن يتناقصن بعد الطيران.. وهديلهن المحبط يملأ السماء. أحيانًا كانت قطة الحي الوحيدة الجائعة تتخانق مع قطة جيران الاستوديو.. كان التوأمان يراقبانها ويضحكان منها وعلى نفسهما ،وفي الوقت ذاته كانا يعيشان شعورها بشكل دائم ..كانوا توائم.. كانوا كلهم توائم. بعد فترة ومع ازدياد القصف اضطرت العائلة لهجر الحي.. اضطروا لترك جيرانهم.. جيران الاستوديو التوائم.. ومثل سرب الحمام راح عدد التوائم المضاعف يتناقص.. وأصوات التوائم ملأت السماء.

 

الفئة: 
الكاتب: 
سوريانا عمار

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة