كيف ومتى خرج (( أبو طوق )) من دوامته ؟ رياض طبرة

العدد: 
15688
التاريخ: 
الاثنين, 12 شباط 2018

تتسع الرواية أكثر من باقي الفنون الأدبية لآلامنا وشكوانا ، وتنقل مجمل طموحاتنا وحتى الشعارات التي نتداولها , تهتف بها حناجرنا ولو كان هذا الهاتف قبل عقود , وهي أي الرواية صورة الحياة باتساعها وتنوعها وتعدد النماذج وفق تراتبية الخير والشر , قرباً من الخير وتمثلاً له , أو نأياً عن الشر ورفضاً له , وهي على هذا النحو الملاذ الآمن للمبدعين كي يعبروا عن تجاربهم وتجارب غيرهم بعيداً عن قيود القافية والوزن , وتفلتاً من الوحدات الثلاث : الزمان والمكان وحتى الموضوع, وهي الوعاء الحاضن للأفكار غير القابلة للتداول في باقي الفنون, ومن هنا نجد تفسير تعدد التجارب الروائية وتزايدها بانتظار ولادة الرواية العربية المعاصرة ذات البعـدين , الذاتي والإنساني ، والتي تؤهل لانتقال الرواية من المحلية إلى العالمية .. من أساسها القائم على نقل التجربة الذاتية للفرد أو الجماعة .. من محيطها الخاص إلى أن تكون تجربة الفرد في هذا العالم الذي ما زال يتقارب عنوة في تجارب أفراده وجماعاته لما تفرضه المعاناة الواحدة من نتائج واحدة, مع الاحتفاظ بخصوصية الفرد والجماعة والمعتقد . وفي الرواية المعاصرة تتنوع الشخصيات وتتلاقى فكرياً وطبقياً واجتماعياً , وتذوب الفوارق شيئاً فشيئاً بين عنصري الجنس البشري, تبعاً لارتقاء المجتمع سلم تطوره الطبيعي والمتوافق مع احتياجاته الأساسية , من دون قهر للمراحل أو سلق للتطور , ما يحدث الأزمات ويرتد ببعض المجتمعات  إلى الخلف ولا يدفعها إلى الأمام . ولكل منا دوامته فكيف عبَر الطبيب والأديب والصحفي وكيف خـرج أو حاول الخروج من دوامته ؟!..

في (( الدوامة ))  للدكتور ( موفق أبو طوق ) ورد تساؤله , لماذا نبني؟ الهدم سهل جداً في وطننا الكبير الغالي , يحتاج تشييد البناء فيه إلى شهور وأعوام , وفي لحظات يحصد صاروخ حاقد كل ما بذلته السواعد المفتولة والعقول المفكرة !.. أنبني كي يهدم الآخرون ؟ أم علينا أن نهـيئ في البدايـة الحماية والحصانة , قبل أن نوجـه جهودنا إِلى البناء ؟.

 عشرة فصول تشكل رواية (( الدوامة )) تدخل في عمق معاناة الاغتراب : الغربة التي نختارها أو تلك التي تفرض علينا, وتدور وتدور تفاصيل حياة شرائح من أبناء الوطن اضطروا لقبول عقود عمل خارج بلدهم , وأذعنوا لما في تلك العقود من إجحاف أو ضيم , منهم الطبيب والمهندس والعامل ، وتجمعهم معاناة واحدة وتجربة قاسية تنتهي بالتصميم على العودة إلى الوطن على الرغم مما تحمله هذه العودة أو يمكن أن تحمله هذه العودة من متاعب وصعوبات .

ومن الغربة والاغتراب ، والمعاناة الفردية الذاتية تتسرب الرواية في معالجتها إلى مسائل أخرى تتعلق بالشأن العام , شأن الأمة من المحيط إلى الخليج , وعلى نحو مباشر بعيد عن لغة الأدب والرواية وخطابهما الخاص يطرح أبو طوق أمنياته وتطلعاته ( وهي تطلعات جيل وحدوي) لكيفية تحقيق الوحدة العربية, ويتسم هذا الطرح بالمباشرة والخطابية المعهودتين في الأعمال الأدبية أيام زمان , وفي الصفحة /63/ يقول:(( مسكين أيها الوطن , ظلمك أهلك وأبناؤك , تركوك وأنت في أمس الحاجة إليهم ، كل يغني على ليلاه , وليلى الجميع , ليلى الحقيقية , ليلى القضية تبحث عن عاشق مخلص .. عن محب صادق ، عمن يذوب في هواها ويتحرق توقاً لوصالها ورضاها , تبحث هنا , وتفتش هناك , ولكن أنى لها أن تجد معتصم القرن الحادي والعشرين )).

وهنا لا نعدم التفاؤل بإمكان الخروج من الدوامة .

شخوص الرواية : الدكتور فارس والمهندس فؤاد وتحسين الدمشقي العامل, وفي مجتمع الغربة هذا ، أي في جغرافية المكان ، يبدو غياب المرأة في الرواية طبيعياً , ولكن الأمر غير الطبيعي أن جميع شخوص الرواية ، لا صلة تربطهم بالوطن عبر أم حنون أو زوجة وفية أو أخت غالية أو ابنة تتحرق لرؤية أبيها .

والمرأة الوحيدة التي ذكرت ولم تكن من شخوص الرواية هي (( الأم الجدة )) وأعتقد أن ورودها حقيقة وليس على سبيل الكناية , كما لو كنا ننقل نصاً وثائقياً .

وهنا يكاد يكون المخرج في الدوامة واضحاً , وهذا ما نجح بالتقاطه الأديب والكاتب موفق أبو طوق .

بقي الحديث عن المسافر والغربة وما تضمن ذلك الحديث من رقة وعذوبة : (( لقد أتيت إلى هنا في لحظة من لحظات الطيش! تصورت الأمان هنا , والعيش الرغيد هنا , والسعادة كلها هنا .. ولكنني وجدت نفسي مخطئاً في تقديراتي تلك , فالسعادة لا تأتي أبدا من وراء مظاهر خادعة .. هناك شيء في الداخل لا يعوض .. شيء لن أستعيده إلا بالعودة إلى وطني الغالي وأهلي الأعزاء )) .

وسواء أكان موفق أبو طوق الراوي والإنسان يقول ذلك على الحقيقة أم المجاز فقد خرج من الدوامة.

 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة