ما يزال جارياً

اضطررت تحت ضغط حاجتي لإكمال تعليمي الإعدادي - باعتبار أن قريتي الصغيرة لم يكن فيها سوى مدرسة ابتدائية صغيرة مؤلَّفة من غرفتين تتسع الأولى منها لثلاثة صفوف بينما تتَّسع الثَّانية للثلاثة الأُخر - للانتقال إلى قريةٍ مجاورةٍ لم يمضِ على اكتشافها إلا بضعة عقود .

كانت عبارةعن تجمُّع سكاني لبعض أهالي القرى المجاورة دفعهم للهجرة إليها حاجتهم الماسَّة للمياه العذبة الصَّافية.

إنها قرية نهر البارد ... اسم ٌعلى مسمَّى ، هو نهرٌ باردٌ حقَّاً لا يمكنك غمر أرجلك في مياهه إلا لبضع دقائق ما لم تكن شخصاً يعشق العناد والتَّحدي فيضغط على أعصابه و يفشل في معظم الأحيان .

هذا النَّهر الجميل ،البارد ،العذب، الصَّافي، هو من أكبر روافد نهر العاصي، وأغزرها، وأنقاها ، يجتاز القرية المذكورة من رأسها إلى أساسها منصفاً بين حييها جغرافيَّاً، تداعب مياهه العذبة خلال رحلته تلك وعلى كلتا ضفتيه أشجار الصَّفصاف والحور.. والتين أيضاً يجمعه مع تلك الأشجار وخاصَّة التِّين منها قصَّة حب قديمة عمرها مئات السنين ، فهما لم يفترقا يوماً منذ أن تعانقا، فكانا مثالاً يحتذى به من الحب والوفاء .

عُمِّم وفاؤه على تجارب شباب القرية ، واعتبره بعضهم قاضياً عادلاً، وحارساً أميناً ستكون عقوبته قاسية على من يحنث بوعدٍ لحبيب .

أما أنا الآخر فلي مع هذا النهر الوفي قصَّة أخرى ، لكنَّها قصّة تحمل في ذكرياتها غصَّة .

ترتبط قصَّتي هذه ارتباطاً وثيقاً بأيَّام العصر الذَّهبي لليرتنا السُّورية .

لقد وعدني أبي يومها أن يزورني في نهاية كل شهر ليطمئن على صحَّتي ودراستي ويزوِّدني بمصروفي الشَّهري ، وكان قد أعطاني في آخر زيارة له ورقةً نقديةً من فئة الخمس ليرات سورية. نعم خمسُ ليراتٍ بكاملها ،وكم كانت فخورةً بنفسها في تلك الأيَّام، فلم تكن الجيب تتسع لها، كانت تعادل يومها ميزانيَّة بحالها !..

قصدت مدرستي صباح اليوم التَّالي، وخلال الاستراحة الفاصلة بين الحصص الدرسيَّة ذهبت مع لفيفٍ من زملائي إلى الحانوت الذي كان يتربَّع على ضفَّة النَّهر، و اشتريت بربع ليرة فقط من ليراتي الخمس بعض الحلوى ، وأعدت ليراتي الأربع مع الثلاثة أرباع الباقية من الليرة الخامسة إلى جيب البدلة المدرسيَّة، وبناءً على اقتراح لأحد زملائنا قمنا بزيارة المجنونة .. للتوضيح فقط فالمجنونة هذه هو الاسم الشَّعبي الَّذي أطلقه أهل قريتنا الطَّيبون على رافدٍ للنهر جديد يتفجر من مكانٍ آخر مجاورٍ للنَّهر أثناء فصل الشتاء ويمدّه بملايين الأمتار المكعَّبة من المياه سنويَّاً أو شتويَّاً ، وسأستغل هذة المناسبة وأدعو المعنيين من خلال زاويتي هذه لاستثمار هذه المياه المهدورة سُدى بإنشاء سدٍّ لها سيكون له كبير الأثر في تأمين مياه الرَّيَّ لمعظم سهل الغاب.

وقفت مع زملائي على أطلال تلك المجنونة أو الشَّتوية وهو الاسم الثَّاني لها ، و الأقرب لها والأنسب ، لأن جنونها مقتصر على الشِّتاء .

انحنيت قليلاً لأرتشف قليلاً من مائها العذب وليتني بقيت ظمآناً، سقطت ليراتي الخمس فيها ، وسقط معها حلمي الشَّهري بشراء ما أرغب وأشتهي، وسقطت دموعي هي الأخرى. فمن أين سأتزوَّد بالنُّقود بعد الآن ووسائل الاتِّصال بيني وبين والدي باتت مقطوعة ، ولن تعود قبل بداية شهر جديد ، فدعوت الله أن يعينني على مصيبتي الكبيرة تلك ، نعم كانت مصيبة بكل ماتحمله الكلمة من معنى لطالب صغيرٍ في مثل عمري ، ولكن ورغم حقدي الشَّديد عليها والَّذي عمره عقود إلاَّ أنَّني أدعو كم لزيارة تلك الشَّتويَّة ودراسة حالة الجنون لديها وكذلك قريتها الجميلة الوادعة، التي تشكل حجاباً حاجزاً يفصل بين سهلها و جبلها ، ومعها هذا النَّهر الجميل وخاصَّة في هذه الأيَّام. لأن موعد نوبة الجنون الَّتي تضرب مجنونتنا قد حان الآن فلا تدعوا الفرصة تفوتكم .

مع حزني الشديد و رحمتي لليراتي الخمس التي كانت تساوي دولاراً يومها في حين يساوي اليوم مئة منها و خمسمائة من بناتها .

لذلك ترحَّموا معي على أيام زمان، و على خمساتها، بل ليراتها، التي كنت أشتري من أرباعها وأطعم زملائي ، في حين لا يكلِّف طفلي ابن سنواته الخمس نفسه الآن عناء الانحناء لالتقاط مئتها.

 

 

الكاتب: 
أحمد محفوض حسن
العدد: 
15694