قصة قصيرة على الطّريق

العدد: 
15701
التاريخ: 
الخميس, 1 آذار 2018

مشواري البعيد فرض عليّ ركوبَ الحافلةِ العامّة. جلسْتُ قرب النّافذة أترك النّاسَ المتزاحمين خلفي إذا انطلق السّائق بسرعة جنونيّة فتقفز المعدة من مكانها، ويثور الطّعامُ مستعداً للانطلاق من الفم. ويتركونني جالسة، ويمضون إن توقّف ذلك الأرعن فجأة، فيصطدم رأس هذا بذاك، ويقع طفل من غير أن يكلّف نفسه عناء السؤال عمّا جرى.

فكري المشغول بمسؤولياتي اليوميّة يأخذني بعيداً عن الوجوه، وتردني جلبة الرّاكبات إلى جِلستي. هنّ كثيرات في بلدٍ حربه المجنونة التهمت رجاله، و الرّعبُ شرّد الشّباب نجوماً ننتظرها تلمع في سماء الكون، و حتى الصّغار تناثروا حبّات قمح ستغدو سنابل خير تطعم الجياع، و راية بهاء يُشار إليها بأصابع البشريّة.

فُتِح باب الحافلة لتصعد امرأة ، ويلحق بها صبيّ أشار عليها بالمقعد الفارغ، احتضنها بعينيه مطمئناً إلى جلوسها، أخرج من جيبه النقود، ودفع بها إلى المحاسب، واختار مقعداً يقابلها وابتسامته البريئة تنير وجهه. ردّني إلى قاع الذّكريات، وشقيقي الأصغر يسابق أمي، يقرع صفيح الحافلة، وينادي السّائق: انتظر... أمي قادمة.

وسالت دموع الشوق للقائه، فشوارع الغربة تطوي عمره بعيداً عن الدّيار، وعربة الموت حملت أمّي من غير أن يودّعها. مسحْتُ قطراتٍ عن وجنتي تخفّف عبئاً عن قلب يحمل آهات الوطن الذّبيح، و لا يعرف منها مهرباً، و لا يجيد لها علاجاً، وتريثت مليّاً عند ابتسامة ذاك الطفل لأراه رجل المستقبل ، ويده بيد صحبه يكرمون النّساء، و يبنون معاً غداً جميلاً للبلد.

 

 

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
وعد طالب شكوة