من رأى ليس كمن سمع أو قرأ إيران من تطور إلى آخر .. والحياة الصخَّابة بالحياة !

العدد: 
15704
التاريخ: 
الثلاثاء, 6 آذار 2018

          لا تغنيك قراءاتُك المتعددة عن إيران ، تاريخاً وراهنا ً ، عن زيارتها ، ومهما تعمَّقتَ في قراءاتك ، ومهما حصَّلت معلومات عنها ، ستبقى معرفتك بها ناقصة ً  ما لم تزرها وتتطلع على الحياة العامة فيها .

          فهذه الدولة الواسعة والغنية بكل مصادر الطاقة والحياة ، تختلف حقيقتها تماماً عن الصورة المشوَّهة التي دأب الإعلام الغربي المعادي على ترسيخها في ذهن الرأي العام العالمي ، وعلى شيطنتها على مدار الساعة وبكل الوسائل الإعلامية ، ليُنفِّرَ منها دول المنطقة ، في محاولة  مستميتة لإحداث شروخ مجتمعية قبل السياسية وإثارة النزاعات معها ، لتبقى الدول التي تدير ذلك الإعلام متحكِّمة ً بالعلاقات الدولية وبثروات الدول الضعيفة ومصائرها أيضاً !.  

بعيداً عن السياسة !

         لا أريد هنا الخوض في غمار حديث سياسي ، ومواقف إيران الدولية ومناصرتها للقضايا العربية وأولها فلسطين ، وأبرزها اليوم الحرب على سورية التي تشن على وطننا الحبيب منذ العام 2011 ، فذلك معروف ومعلن ، وتؤكده إيران في كل المناسبات والمنابر واللقاءات الثنائية والإقليمية والدولية .

          فوقوفها إلى جانب سورية ضد الإرهاب وقوى الاستكبار العالمي موقف مبدئي استراتيجي ثابت وراسخ ولن يتغير قيد أنملة ، ولن تستطيع قوة في الدنيا تبديله أو جعل إيران تتراجع عنه مهما تعرضت لضغوطات أو مغريات .

          فهي مع الحق الذي لا يُعلى عليه ، وعلاقتها مع ســورية هي علاقة مصيرية تزداد متانة وقوة كل يوم .

         ولذلك ليس غريباً أن تجدد هذا الموقف الشخصيات الإعلامية والسياسية التي زرناها في العاصمة طهران واستقبلتنا كوفد إعلامي سوري يرأسه الزميل موسى عبد النور رئيس الاتحاد العام للصحفيين والذي يضم 31  صحفياً من مختلف المؤسسات الإعلامية السورية .

أنت من سورية .. فأنت إذاً غالٍ !

           في كل المؤسسات الإعلامية وغير الإعلامية التي تقصدها ، وفي الشوارع مع الناس ، وفي الحدائق الجميلة مع مرتاديها ، تلقى ترحيباً خاصاً ومحبة ً صادقة ما دمت َ من سورية .

           فثمَّة علاقة حميمية تربط الإيرانيين والسوريين ، وكل من تلتقيه يتحدث ُ إليك بفرح ومحبة ويعدُّكَ صديقاً وكأنه يعرفك منذ زمن طويل .

الحياة .. الحضارة !

          تحت هذا العنوان يمكننا أن نتحدث طويلا ً ، وإذا جلتَ في طهران على سبيل المثال لا الحصر ، سرعان ما تتبدد تلك الصورة السوداء التي اجتهد الإعلام الغربي على رسمها في ذهنك عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، ووسمها بالدولة المتخلفة طالما تعتمد الدين الإسلامي نهج حياة ودستور عمل !.

           وتحل محلها الصورة الحقيقية للشعب الإيراني العظيم ، ففي مؤسسات طهران  وشركاتها أحدث التقنيات في العالم ، وفي شوارعها الواسعة العريضة والنظيفة أحدث السيارات أيضاً ومنها ما هو محلي المنشأ ، ومنها ما هو أوروبي المصدر .

         ونساؤها ، من أجمل نساء الأرض ، وهن َّ متعلمات ومثقفات ، ويعملن في مختلف مجالات الحياة ، وهنَّ لا يرتدين البراقع ولا يتجلببنَ بالسواد ، وإنما تراهنَّ يقدن السيارات ويركبن الدراجات النارية ويرتدين الجينز وأغطية رؤوسهن تكشف نصفها ، فترى شعرهن الأشقر والأسود والمُميَّش ! .

          قد لا تصدق أن هذا  في إيران ، ولكن هذه هي الحقيقة التي يدأب الإعلام الغربي المعادي لها على إنكاره وتزييفه .

         ويكفي أن تعرف عن إيران الحضارية والعصرية أنها الثالثة في البحث العلمي على مستوى العالم ، وأن البحوث العلمية التي تنتجها مراكزها البحثية في جامعاتها التي يشترك بها الطلاب ، تجد طريقها إلى التنفيذ وتعتمدها  وزارات ومؤسسات وشركات ، همها الوحيد هو التطور العلمي والمجتمعي ومنافسة الدول الحضارية في كل المجالات .

          وللعلم فقط ، إنتاجها من الكهرباء 200 مليار كيلو واط ساعي بالسنة ، ما جعلها الأولى إقليمياً به ، وتصدر الكهرباء للعديد من الدول المجاورة .

          وللعلم فقط ، في إيران 31 محافظة وفي كل منها جريدة محلية ، وقناة تلفزيونية خاصة بها ويمكن أن تشاهدها المحافظات الأخرى ،  وفيها أكثر من 8 آلاف صحيفة ومؤسسة إعلامية ومعظمها غير مملوكة من الدولة ولا تتدخل بشؤونها ، و50 وكالة أنباء عامة وخاصة وقطاع مشترك ، وعشرات الاتحادات الإعلامية فلكل تخصص إعلامي اتحاد !.

النظافة يا عيني على النظافة  !

          أينما اتجهت وحيثما سرت في شوارع طهران ، يلفت انتباهك النظافة العامة ، والحاويات موضوعة بأماكن مابين الأرصفة والشوارع بحيث لا تعرقل حركة المارة ومستخدمي الأرصفة ولا تسبب حوادث مرورية للسيارات .

          والشوارع لها ميلان يمنع تجمع مياه الأمطار الغزيرة وتشكل مستنقعات أو برك فيها ، وعلى جانبيها مصارف مطرية مزروعٌ فيها أشجار تروى من المياه التي تتدفق في تلك المصارف أو لنسمها ( السواقي ) !.

ممنوع .. ممنوع !

          وأما التدخين فهو ممنوع في جميع المؤسسات والدوائر والشركات والمصارف والفنادق ، ومهما حاولت لن تعثر على ( منفضة ) سجائر ، وجميع الموظفين ملتزمون طوعاً بذلك ، لذلك ترى تلك المؤسسات نظيفة تماماً .

الحدائق .. وما الحدائق !

           وأما الحدائق العامة ، فهي حدائق لكل أفراد الأسرة ، حيث تجد فيها كل الألعاب والأجهزة الرياضية التي تحتاجها كل الفئات العمرية ، وبالطبع لا أحد يخربها أو يعبث بها أو يسرقها حتى لو كانت سياسة الحكومة لا تعجبه أو مواقف الدولة السياسية لا تروق له !.

         إذ يعدُّ تلك الحدائق والألعاب المخصصة لأطفاله ، والتجهيزات الرياضية ملكاً للشعب لا يجوز المساس بها والحفاظ عليها واجب أخلاقي قبل أي اعتبار آخر .

         وبالطبع ، لا تخلو الحدائق من سلات مهملات بل هي مزروعة في كل أرجائها وعلى مسافات قريبة ، ومن مناهل مياه الشرب ، ومن دورات مياه وقد أذهلني فعلا ً أنها  نظيفة ، ولا أخفيكم كادت الدمعة تطفر من عيني عندما حاولت مقارنتها بدورات المياه في مؤسساتنا ولن أقول في حدائقنا ! .  

         والتدخين فيها ممنوع أيضاً ، وهو السبب الرئيسي في نظافة عشبها الأخضر وممراتها ، وقد استغربت ُ عندما أشار أحد مرتادي حديقة ( الماء والنار ) إلى سيجارتي  !.

           وبالمناسبة هذه الحديقة هي من أكبر وأجمل الحدائق  في طهران  ، ومساحتها 20 هكتاراً وتضم مسارح مكشوفة ومناظر طبيعية خلابة تأسر العين والقلب ، وتنبعث فيها نوافير مياه وموسيقا ناعمة ! .

النقل الداخلي !

            في طهران لاترى هذه السرافيس الصغيرة التي تملأ شوارع مدننا  ، وإنما ثمَّة باصات كبيرة طويلة جداً – يبلغ طولها طول باصين من باصاتنا الكبيرة -  للنقل الجماعي ، وهي مريحة وأنيقة ، ولا يوجد فيها بلور مكسور ، أو مقعد مهدود ،  ولا معاون مزعج  ، ولا صوت مسجلة يصدع دماغك ، بل يقطع الراكب بطاقة من الموقف الأنيق الذي يحتل بعضاً من الرصيف المزروعة فيه  مقاعد للمنتظرين ، الذين يجلسون في مقاعدهم ولا ينزلون إلاَّ على المواقف ! .

النت متاح .. ولكن !

          وأما النت فهو متاح للجميع ، ولكن الفيس بوك  ممنوع ومع ذلك يستخدمه 12 مليون مستخدم من خلال كسر حظره بكاسر بروكسي ، وتغض  السلطات المختصة النظر عن ذلك رغم معرفتها به !.

          وأما التطبيقات الأخرى كالواتس والتليغرام والتويتر وغيرها فمتاحة ومستخدموها بالملايين .

الفئة: 
المصدر: 
طهران .. محمد أحمد خبازي