من الذاكرة الحموية : مهن جوالة اندثرت

العدد: 
15707
التاريخ: 
الأحد, 11 آذار 2018

أتابع في هذا القسم عن مهن جوالة اندثرت كانت سائدة منذ أكثر من اربعين أو خمسين عاماً وهذه المهن هي :

واحد وخمسون : بائع الجرائد : في القرن الماضي كانت الجرائد تباع في المكتبات وبواسطة الباعة الجوالة حيث كان بائع الجرائد يضع عدداً من الجرائد إما في محفظة أو تحت إبطه ويجول في اسواق حماة الرئيسية كساحة العاصي أو الدباغة أو المرابط وكان ينادي منوهاً على إسم الجريدة وأهم عنوان رئيسي فيها . وأحياناً فإنه كان يقتبس عنواناً للنبأ الوارد في الجريدة وغالباً ما تكون هذه العناوين مواكبة للاتجاه السياسي لدى بائع الجرائد . كما أنه كان يتردد على المقاهي كمقهى أبي الفداء ومقهى الروضة ومقهى شدهان الملحم ( مقابل دار المحافظة ) حيث كان له زبائن لأن كلاً منهم كان يبتاع جريدة محددة . وأشهر بائع جرائد جوال كان بوظان وأحد أبنائه . كان باعة الجرائد يستغلون نتائج الامتحانات العامة ( كفاءة وثانوي ) حيث كانوا ينتظرون ظهور صحيفة العاصي سابقاً والفداء لاحقاً أمام المطبعة التي كانت تقع في المرابط مكان مركز بيع اللحوم للمستهلك حالياً , وأن نتائج الامتحانات العامة كانت تعطى من قبل مديرية التربية إلى الجرائد ليتم طبعها , حيث كان الطلاب يتجمعون أمام مقر الصحيفة بانتظار خروج الأعداد الأولى التي كتب فيها أسماء الناجحين وغالباً ما كانت تخرج تلك الأعداد بعد منتصف الليل .

وهكذا كان يحتكر باعة الجرائد بيع الصحف ليتم بيع الصحيفة عند أول ظهور أعدادها بنصف ليرة سورية بينما سعرها الاعتيادي هو عشرة قروش . ويظل السعر يتناقص تدريجياً مع تراجع الازدحام والطلب على تلك الجرائد .

اثنان وخمسون : عتالة الشراشير : في القرن الماضي وحتى أوائل السبعينات تقريباً وعند جني الموسم من حبوب أو قطن والتي تسلم إلى مكتب الحبوب أو مكتب القطن , فقد كان يجتمع في كل مدخل من مداخل حماة عدد من العتالة وبيد كل واحد منهم شرشور , والشرشور عبارة عن سيخ حديدي بقطر /8مم/ تقريباً بشكل حرف  S يكون مؤنفاً من طرف ومن الطرف الآخر له مقبض خشبي كي يساعد على حمل كيس الحبوب أو شل القطن على ظهره . عندما تحضر سيارة شاحنة محملة بالحبوب أو القطن من خارج حماة وبمجرد وصولها إلى مدخل المدينة كان العتالة يتراكضون للحاق بها وأول عتال يصل إليها كان يقوم بغرز شرشوره بأحد الأكياس المحملة فيها وبعمله هذا يكون قد جرح السيارة ( حسب مفهوم العتالة ) وجرح السيارة يعني أنه وحده هو الذي يحق له تفريغها , كما يحق له وحده الاستعانة بمن يرغب من زملائه . وللصعود إلى الشاحنة والنزول منها كان العتالة يضعون دفاً من الخشب ( سطامة ) بسماكة /5/ سم تقريباً وبعرض ثلاثين سنتمتر تقريباً وبطول أربعة أمتار تقريباً , وكم من عتال فقد توازنه وهو يصعد على الخشبة ليقع على الأرض ويصاب بالكسور . انقرضت هذه المهنة في أوائل السبعينات مع تشكيل وتنظيم نقابي مهني لهؤلاء العمال وأصبحوا تابعين لنقابة عمال التجارة والتأمين بداية الأمر , ثم فيما بعد أصبح لهم نقابة مستقلة . ثم أنه في مؤسسات الحبوب والأقطان فقد تراجع العمل اليدوي لتفريغ وتحميل الحبوب والأقطان ليحل محلها الشواحط الآلية وغيرها .

ثلاثة وخمسون : البصارات : وهن نسوة من القرباط أو النور حيث كانوا يتجولن في أحياء حماة , وكانت الواحدة منهن تنادي ( بصارة ــ براجة ــ للحاضر والغايب ) حيث كان النسوة يستدعونها للدخول إلى المنزل من أجل قراءة الحظ , وكانت هذه البصارة تبدأ كلامها بعبارة ( بيضوا الفال) أي ادفعوا دراهم وعندما لا يعجبها المبلغ تقول ( الفال ما تبيض ) وتظل تردد هذه العبارة إلى أن يتم تبييض الفال وعندها تبدأ بالكلام . حيث كانت تقرألهم المستقبل , والطريف بالأمر أن الاشخاص كانوا يصدقونها لا سيما إذا صدف وأن صدقت إحدى تنبؤاتها , مما يجعلهم مقتنعين بكلام هؤلاء البصارات متناسين القول المأثور ( كذب المنجمون ولو صدقوا ) كما أن البصارات كن يتجولن في المتنزهات حيث يتم استدعاؤهن من قبل المتنزهين .

أربعة وخمسون : بائعو الأمواس القرباطية : إن القرباط كانوا مشهورين وما زالوا بصناعة الأسنان والأمواس القرباطية , كما أن بعض القرباط يمارس صناعة أطقم الأسنان ولكن بالسر . أما الأمواس فإنهم كانوا يصنعونها من عظام الحيوانات الكبيرة كالبقر وغيرها حيث كانوا يعالجونها لتصبح غير قابلة للفساد أو الاهتراء ويقومون بتركيب نصلة حديدية عليها . وقد اشتهر الموس القرباطي بجودته في القرن الماضي وكان ذو قياسات متنوعة وكان باعة الأمواس القرباطية يفترشون الأرصفة ويعرضون عليها بضاعتهم , وأنا شخصياً ما زال يوجد عندي موساً قرباطياً اشتريته منذ أكثر من خمسين عاماً .

خمسة وخمسون : بائع البوشار : إننا نرى حالياً أن بائعي البوشار يبيعون البوشار على عربات مجهزة بشكل آلي وفني . بينما في القديم وقبل ظهور العربات فقد كان بائعو البوشار يقومون بصنع البوشار بوضع الذرة على منخل من النوع الذي يستعمل لنخل الطحين , ثم يضعون المنخل وعليه الذرة على بابور كاز لهبه قوي حيث كانت الذرة تتفتح وتصبح بوشاراً . ثم يقوم البائع بوضع البوشار ضمن كيس ويجول في الأحياء منادياً ( على البوشار يا ولاد ) ولم يكن معه أكياس لوضع البوشار وإنما كان يضعها على أوراق كتب قديمة أو أوراق جرائد .

لقد انقرضت هذه المهنة منذ أكثر من خمسين عاماً بعد انتشار عربات البوشار الحالية . وأن أشهر بائع للبوشار كان يدعى أبو سعيد وهو من إحدى قرى المعرة وكان يقيم في خان سليم الملي بطلعة باب البلد .

هذه كانت بعض المهن الجوالة التي اندثرت , وفي المرة القادمة سأتابع الحديث عن مهن جوالة أخرى

سقى الله ذلك الزمن

 

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
المحامي : معتز البرازي