من تاريخ الصحافة في حماة ( 1-3)

العدد: 
15709
التاريخ: 
الثلاثاء, 13 آذار 2018

لكلِ أمة تاريخها الصحفي .. ترى من خلاله حياتها السياسية والاجتماعية وتتأمل فيه مجرى الأحداث والمواقف إذا ما أردت ان تدرك مفهوم قيمة جهدها البشري !.

والصحافة – صاحبة الجلالة – كما يطلقون عليها ، تكشف عيوب المجتمع ..

الصحافة لها مهامها من أصعب المهمات ..الصحافة مهمتها مهمة نبيلة ، الصحافة هي الرقيب والأديب والمدقّق القريب الذي يرصد الأحداث ويكشف الحقائق من اجل ايصالها إلى الناس ، إلى الرأي العام من دون تشويه أو تحريف أو تدقيق أو تزييف ! .

والذي يعمل  في الصحافة لابد أن يكون واعياً ومثقفاً ..لابدّ من أن تكون له الخبرة الكافية في الكتابة ونقل ما يحصل عليه من معلومات بطريقة حيادية ونزيهة ، ولابد أيضاً من أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح بلده وأمته بأكملها !!.

ويمكن القول هنا أيضاً :

-إن هناك ارتباطاً وثيقاً وقوياً بين الحرية والمسؤولية !.

بمعنى آخر :

-كلما اتسعت دائرة الحرية ازداد حجم المسؤولية !

لذا كان لابدّ من زيادة الثقة بين الصحفي والناس من خلال الحرص على اتباع المعايير والأدوات الأخلاقية في المهنة وتمثّل الشفافية والصدق والنزاهة والحب والإخلاص من أجل الوطن !.

في مطلع القرن التاسع عشر بدأت في سورية ومصر والعراق نهضة اجتماعية أدبية كان من أهم ميزاتها إنشاء المدارس الحديثة وانتشار الصحافة ، وتعدّدت آنئذٍ الجمعيات الأدبية والعلمية والمكتبات العامة والمتاحف مع ظهور فنّ التمثيل واشتغال المستشرقين الأوربيين بآداب العرب وتاريخهم وتراثهم العلمي الخالد !.

كان في حماة في أخريات القرن التاسع عشر أربع مدارس منها مدرسة إعدادية واحدة ، وعدد من الكتاتيب ، ولم تقم فيها سوى مكتبة واحدة صغيرة هي مكتبة الشيخ ابراهيم !.

ولم يظهر آنذاك سوى عدد من الكُتاب والشعراء كالهلالي والحريري ، وكان ظهورهم امتداداً لمن سبقهم حتى برز رجال الاصلاح الديني والاجتماعي !

كان هؤلاء جميعاً ينتقدون الاوضاع السيئة ويجاهرون بآرائهم وأفكارهم رغم وجود وسائل الكبت وخنق الأصوات ورغم وجود سياسة العنف والاضطهاد !

على رأس هؤلاء جميعاً كان الشيخ أحمد الصابوني / صاحب كتاب تاريخ حماة /.

وقد أسهم في انعاش الحركة الفكرية وعمل على انقاذ البلد من حمأة الفساد والجهل والانحطاط ، وقد تسنى له الاشتغال بالصحافة ، فأصدر جريدة (لسان الشرق ) بعد إعلان الدستور العثماني في عام 1908 ، وقد قال آنئذٍ الشاعر الحمصي محمد خالد الفصيح :

بنو الشرق فلتهنوا بخير صحيفة / بدت فرأيناها لساناً إلى الشرق

تجول بأرجاء الحمى كل ليلة /  وفي طيّها مجلى الحقائق للخلق

وبالمناسبة منذ أكثر من مائة عام وعلى وجه الدقة منذ عام 1908 كان في دمشق العاصمة ست وثلاثون جريدة ، وكان نصيب حماة / 6/ جرائد وهي ( لسان الشرق – السيف ، نهر العاصي ، حماة ، الإنسانية ، الإخاء) .

وكان صنوه الشيخ الشاعر حسن الرزق قد أسهم بمجلّة رائدة ، مجلة علمية وأدبية فتحت صدرها للناس تحت اسم ( الإنسانية ) وكانت هذه المجلة نصف شهرية ( اي تصدر مرتين في الشهر الواحد ) وفي اثنتين وثلاثين صفحة ، وقد كتب لها النجاح على يد هذا المنشئ الرائد ( الشيخ حسن الرزق ) الذي عرف باستقلال فكره واستنارة ذهنه ، وحبّه للعلم والعلماء ، بل كأنما وهب نفسه وجهده وماله لخدمة أمته من خلال هذه المجلة ، كما يقال عندئذ ( بسائق الرغبة في إعلاء شأنها بقدر المستطاع ) وقد كتب لها النجاح ، وطار صيتها في البلدان العربية (!!) .

كان الشيخ حسن الرزق ) قد صدّر مجلته ( الإنسانية ) بهذه الابيات مسهماً في بثّ دعوته الإصلاحية :

خلّ النفار كذا واذكر أخوتنا   فإنني أيها الإنسان إنسان

إن كنت تجهل إنسانية جمعت   بيني وبينك نحن اليوم جيران

إن المحبة أصل الاجتماع ولا    يقوم يوماً مع العدوان عمران

وما التخاذل إلاّ الوهم يتبعه   إذْ كلّنا لوعقلنا الأمر إخوان

وفي اكثر من موقع كان ( الشيخ حسن الرزق) يعبّر عن مهمته في الصحافة ويذكر مهمّة هذه المجلّة بقوله :

إن لم تكن يايراعي تخدم الأمما     فيما تدبّجه لاكنت لي قلما

وأنت يامقولي إن لم تكن أبداً      بالحق تنطق أرداك الإله فما

ودعونا نتصور أنه في عام ( 1911) في مجلة ( المنار ) القاهرية ، وفي عددها الصادر في شهر تموز / يوليو كتبت المجلّة تعريفاً بهذه المطبوعة السورية ( الإنسانية) في عددها الخامس ، وكانت تحيي فيه صدور المجلّة وتثمن على صاحبها بل تقرّظها تقريظاً يليق بها ويرفع من شأنها بين الصحف والمجلات المغامرة (!) .

أما جريدة (الإخاء ) لمنشئها ( جبران أفندي مسوح ) فقد صدرت بعد مجلة ( الإنسانية ) بعامين ، وحين وصلت الجريدة إلى مصر كتبت عنها الصحف القاهرية كثيراً ، واستقبلتها خير استقبال حتى مجلة النفائس العصرية قالت في إحدى أعدادها :

-هي مطبوعة مثابرة على ما عرفت من الأسلوب الانتقادي الذي لم يسبق إليه في الصحف السورية ، تشهد هذه المطبوعة لمنشئها الكاتب العصري ، خفيف الروح ( جبران مسّوح ) بسعة الاطلاع ولطافة الذوق والإخلاص في خدمة الأدب ( وكانت المطبوعة تصدر في حماة مرة واحدة في الشهر) !.

بل لم تنس صحيفة (المنار ) القاهرية أيضاً  أن تكتب في أحد أعدادها (الصادر في 11مارس / آذار عام 1911) ما مضمونه على صفحاتها :

-يظهر أن صاحب الجلالة جريدة( الإخاء ) عازم على جعل جريدته مسرحاً لخطواته وميداناً لقيد شوارد أفكاره (!!) .

 

 

الفئة: 
المصدر: 
نزار نجار