قناطير العلاج الضائعة!

 كنت أعتقد خاطئاً أن درهم وقاية خير من قنطار علاج ...حكمة طبية لها علاقة بالصحة والمرض وأخذ اللقاحات وغير ذلك ، قبل أن أدرك إن هذه الحكمة هي اجتماعية، اقتصادية، إنسانية ... لها علاقة مباشرة بالحياة اليومية للناس والمجتمع، فخطأ نرتكبه بحق إنسان يكلفنا الكثير من الأرق والشعور بالذنب ومشقة الاعتذار وتوتر بالعلاقات  قد يصبح من الصعب إصلاحها ... ورغم أهمية العلاقات الاجتماعية التي تخضع لهذه الحكمة، إلا أن أهم مجسداتها هي العلاقات الاقتصادية والواقع الاقتصادي الذي يترتب على درهم الوقاية في حال تم استخدامه في الوقت والمكان الصحيحين, لأن عدم استخدام هذا الدرهم في الوقت المناسب قد يصل بنا لاحقاً إلى مرحلة لا يفيد فيها قنطار علاج ولا حتى ( الكي ) الذي هو آخر دواء استخدمه العرب .

وبإسقاط هذه الحكمة على واقعنا الاقتصادي خلال السنوات الماضية نجد إننا هدرنا ونهدر المليارات على علاج هذا الواقع ، ورغم ذلك دخلنا إلى حكمة أخرى وهي (فالج لا تعالج)..  وأمثلة كثيرة على ذلك منها : محطة أبقار جب رملة التي أوصلها مدير سابق إلى وضع لا تحسد عليه من التشتت والتخريب والفساد .. حيث تصحرت أراضيها التي تزيد عن ألفي دونم ... وعاثت الفئران والجرذان فيها، وأهلك المرض والإهمال قطيعها .. وعم الفساد واللامبالاة كوادرها ووصلت هذه المبقرة العريقة إلى وضع لا تحسد عليه ونحن نراقب، وعندما أردنا إصلاح الوضع فيها كان العلاج مكلفاً وصعباً، ولم تزل فواتيره تسدد بأكلاف باهظة.. والمثال الآخر كان بتسليم  معمل التبغ لمدير نجح نجاحاً باهراً بإفشال المعمل وتخفيض نسبة الإنتاج إلى أدنى مستوى، وأعتقد أنها وصلت إلى 22% ولو طالت مدة إدارته بضعة أشهر لما كان هناك معمل للتبغ بحماة لأن الهدف كان نقل المعمل أو إغلاقه، ومع ذلك لم يتغزل أحد بالكحل في عيني هذا المدير وربما يتم تجهيزه لمواقع أخرى ...

والمثال الأخير الذي سأورده هو عن قرار حل المكننة الزراعية التي كانت تشغل 90 عاملاً ، وتصنّع الكرافانات والتريلات ويأكل عمالها من عرق جبينهم ويحصلون  على رواتبهم وتعويضاتهم من تعبهم ، فناموا مساءً واستيقظوا صباحاً وإذا بمؤسستهم قد حُلَّت ... فتشردوا ..  وضاعت التجهيزات والممتلكات والآلات، وماتت هذه المؤسسة  من دون أية محاولة لعلاجها لا بالكي ولا بأي علاج آخر، وما جرى سابقاً ينطبق على واقع الشركات والمعامل الصناعية الخمسة بحماة التي تتفرد بصناعاتها، ورغم تعاقب أكثر من 20 وزيراً على وزارة الصناعة خلال ربع قرن، إلا أن هذه المعامل وصلت إلى مرحلة من المرض والوهن لا يمكن علاجها ، وكل محاولات العلاج كانت استنزافاً لميزانية الدولة .

وإعادة الحياة لهذه المعامل حالياً يكلف قناطير مقنطرة من الأموال يصعب توافرها في هذه الظروف، وللأسف إن جميع المسؤولين الذين تعاقبوا على وزارة الصناعة أو على هذه المعامل والشركات لم يُعاقبوا...

ولم يسألهم أحد عما فعلت أيديهم ... ولماذا لم يستخدموا درهم الوقاية لحماية هذه المؤسسات حتى تفاقم وضعها ووصلت إلى مرحلة الشلل والموت السريري ولم يعد ينفع معها قناطير العلاج .

 وأخيراً : إذا كان ما سبق مرَّ وانقضى .. لنطبق هذه الحكمة الآن وعلى كل مفاصل العمل .. لأننا مقبلون إلى مرحلة جديدة هي مرحلة إعادة الإعمار والبناء، وإذا أردنا لهذا البناء أن يقوم على أسس صلبة وراسخة فعلينا أن نبنيه بشكل صحيح .. فالتجريب تخريب ... ودرهم وقاية خير من قنطار علاج ...!!

الكاتب: 
سرحان الموعي
العدد: 
15712

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة