كنت أعرف أن طريقي صعب

العدد: 
15727
التاريخ: 
الخميس, 12 نيسان 2018

كنت أعرف أن طريقي فيه من العقبات الكثير....

كنت أعرف مدى خوفي من نهاية الطريق .....

ولكني قررت المسير ....

حملت أدواتي واتجهت إلى بداية طريقي إليه ،نظرت للبعيد فرأيته، كان يقف شامخا منذ ملايين السنين كان يخيفني من بعيد كثيراً ،ولكني  أدمنت خوفي منه ،وقررت أن أمارس الخوف معه، تحركت قدماي نحوه وقلبي يخفق بشدة ،كان قلبي يضرب نواقيس الخطر في صدري وكأنه يعزف مارشات التقدم لمعركة مصيرية  . إن الخطوات التي تفصلنا عن أهدافنا مهما كانت قليلة فإننا نشعر بأنها بطول دهر كامل.

كانت المشاعر المختلطة تتملكني للحظات ثم تتساقط خلفي كأزهار الربيع الضعيفة عند هبوب الريح.

خطوة تتبعها خطوات وذلك الشامخ يقترب أكثر، ورغبة بالعودة تجتاحني.  لكن إصراري بالمضي يدفعني للأمام ،ومن شعور إلى شعور ومن خطوة إلى خطوة وصلت إلى سفحه ، نظرت إلى أعلى فانتابني شعور بالرهبة لقد كانت قمته عالية كما أحلامي، وصعبة كما هي الحياة ،ومخيفة كما المستقبل، ومثيرة كامراة بعيدة صعبة المنال.

 أنزلت أدواتي  أرضاً لأركبها، ولكن التفاتة إليه زلزلت كياني فوجدته ينظر إلي بسخرية ،فكيف أتحداه وأنا أتسلح بأدوات وحبال و وسائل أمان. من يعشق هدفه يواجهه وهو عاري اليدين ليصل له كل شعور اللذة التي يطمح لها عند اللقاء فرميت كل ما أحمله من أدوات وخلعت قفازاتي، واتجهت إليه لأعانق حجارته بيدي ،وبدأتُ بالصعود .

كانت الحجارة مرسومة حسب ما أريد وتخبرني: ضع يدك هنا .. ضع قدمك هنا .. تحرك يميناً تحرك شمالاً.. !!هنا متسلق قبلك وقع باسمه وهنا أثر لماعز الجبل تسلقت للأعلى. كانت بعض الحجارة خائنة تهوي بمجرد لمسها ،ولكن الحجارة الوفية أكثر كانت تسندني لأصعد وأرتقي إلى الأعلى .

وأنا أضع قدمي على حجرة من أحجار ذلك الشامخ.. الخائنة تهاوت تحت قدمي ، وتخلت عني وسقطت. وللحظة أحسست أنها النهاية.. نهاية حلم...ونهاية خوف....ونهاية مشاعر  مختلطة .

وكدت أسقط لكن الحجارة التي أمسكها بيدي كانت وفية قوية تمسكت بي ولم تدعني أسقط.  في هذه اللحظة حانت مني التفاتة للأسفل، كانت المسافة بعيدة، كان كل شيء يصغر كلما ارتفعت ،حتى المشاعر كانت تتضاءل عند الارتفاع .

 كان الخوف كذلك يصغر ،والوحيد الذي يتملكني ويكبر داخلي هو شعور الوصول للهدف... الوصول للقمة.

وهكذا أحجار تهوي وأحجار تمسك بي وأنا اصعد إلى القمة .

إن أحجار الجبل كالأصدقاء لا تفرق بينها إلا عند الاستناد .

وهكذا إلى أن وصلت.... نعم وصلت إلى القمة.

نظرت إلى أعلى ..سماء صافية واسعة خالية من أي مشاعر ضيقة ومصالح آنية .

نظرت للأسفل  فإذا  قطع من الغيوم البيضاء تسبح تحتي ومن بينها يتكشف قطع صغيرة.. بيوت صغيرة.. أشجار صغيرة .

كل ما كنا نراه كبيراً هائل الحجم نراه من أعلى صغيراً لايستحق التفكير. حتى المشاعر السلبية تتلاشى ،كان كل شيء من فوق يبدو صغيرا ولكن اجتماع الجزيئات كان يولد تكاملاً من الألوان ،كان يعطي انطباعاً أن الجمال الكلي هو تجمع جزيئات حياتنا التي لا نلتفت لها .

نظرت حولي.. كان الهواء يتلاعب بالغيوم ويمر بجوار أذني يهمس: ألم يحن الوقت؟

كنت في السابق أخاف من المرتفعات ،ولكني الآن أدركت سبب خوفي أني أخاف من نفسي وليس من المرتفعات ،فنفسي تتوق  للقفز ...للطيران عند النظر من كل مرتفع . نظرت للأسفل كل شيء يدعوني للاندماج بهذا الجمال.. الغيوم تريدني أن احضنها .

والسهول تريدني أن أكون نهراً فيها ..

والأشجار تدعوني لأكون عصفوراً يغفو على أغصانها .

فتحت ذراعي احتضنت الهواء الذي كان يدعوني لأكون جزءاً من هذا الجمال الكلي.

وتخلت قدماي عن القمة  بقفزة بسيطة .

تسارعت الرياح..

اختلطت الألوان ..

تضاربت الذكريات ..

أصبحت كل الألوان أمامي بيضاء

أصبحت كل اللحظات من الذكريات..

صفير هواء قوي سريع .. يهدا شيئاً فشيئاً .. إحساس غريب يجتاحني..إني لا أسقط.. إني أرتفع ....

فتحت عينيّ فإذا بالألوان تغيرت أمامي نظرت إلى ذراعي فإذا  بريش قد كساهما.. نظرت إلى قدمي فإذا بهما أصبحتا مخالب..

وأنا هنا على القمة. ولكن بمفهوم آخر وتفكير جديد.

فأنا الآن نسيت جمالية المنظر، وأبحث ضمن التفاصيل عن فريسة أسد بها جوعي، وأحافظ بها على توازني لأبقى على القمة .

 

 

 

 

الفئة: 
المصدر: 
باسل عطورة