الجيل والإدمان على مواقع صفحات التواصل الاجتماعي

العدد: 
15729
التاريخ: 
الاثنين, 16 نيسان 2018

يواصل الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي من تشديد قبضتهما على الأسر وبخاصة الجيل الصاعد والناشئة منذ سنوات ،ومن المرجح أن تستمر الزيادة في ساعات  التسلية بهذا العالم الافتراضي بل يمكن تسميته مصطلحاً حالة من حالات  الإدمان الفيسبوكي فلم يعد التلفزيون سيد السهرة ،ولم يعد الكتاب خير جليس ،ولم تعد الحوارات وتبادل الثقافات هي العناوين الرئيسة للجلسات والسهرات ولم تقتصر الأمور على الجيل والناشئة بل تعدى الأمر ذلك إذ وصل إلى الكبار

فكيف تؤثر التجربة التلفزيونية في تنمية لغة الطفل وكيف تؤثر مواقع التواصل الاجتماعية في تطور الخيال أو الإبداع إذ يتركز القلق بشأن الفيسبوك وإخطاره عموماً على مواقع يشاهدها الجيل فهي لا تحمل مضامين معرفية ولا نفعية إنما قد تشكل انحرافاً خلقياً ضحلة أكثر مما ينبغي، في وقت من الأوقات كان التأثير البارز للتلفزيون في بداية الستينات والسبعينات وحتى نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات مرتبطاً بمشاهدة الأطفال المنزلية زاد خلال العقد الماضي دور هذه الوسيلة الإعلامية في المجال التربوي لكن سرعان ما انحسر وتراجع مع ظهور الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها ما بات يزداد القلق لدى الآباء بشأن العلاقة بين مشاهدة الجيل وانشغاله فيسبوكياً عن تحصيلهم الدراسي 0

لكن هناك من يقول : إن هذه المواقع أي النت من شأنها أن توسع مدارك الجيل وتجعله أكثر قربا من الأحداث العالمية والمحلية من خلال سرعة وصول وتناقل الأحداث والمعلومات وبخاصة عندما تكون دقيقة وصحيحة ،وعلى هذا الرأي يجيب المهتمون في الشأن الثقافي والتربوي أن الإدمان بهذا الشكل مخاطره أكثر من منافعه فضلاً عن أن الكثير من ما يكتب عبر هذا العالم الافتراضي يفتقد إلى الصحة والدقة ،ولا يخضع للرقابة والتدقيق ناهيك وقد جاء قرار استصدار المحاكم للكتابات الإلكترونية مطلباً مهماً مع الإشارة إلى أن تصفح أشياء بعينها قد تشجع على السلوك غير السوي هل هم طماعون ،ماديون ،أم كرماء ،أم روحانيون ،أم عنيفون ، أم أصحاب سلوك غير مستقيم وغير سوي؟ وهل يملكون سعة الأفق أو غير ذلك ، أسئلة كثيرة يمكن طرحها هذا ما سنحاول البحث عن إجابات لها من مختلف معنيي الاختصاصات.

                  جيل بلا ضابط

السيدة فاطمة الأحمد تربية وعلم نفس ومديرة المركز الثقافي بمصياف قالت : إن هذا الجيل انغمس في مواقع التواصل الاجتماعي حتى قرط أذنيه فيه الصالح من الفائدة وفيه الطالح من تشويه للسلوك العام فيما لو أدى إلى الانحراف وانتهى الأمر أنه أشبه بالإدمان فليل الشباب نهار ونهارهم عيون ترقب كل جديد تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي فأيا كانت المعلومة عندما تزيد الأمور عن حدها تصبح غير مقبولة بمعنى أوضح والكلام مازال لمديرة المركز الثقافي بمصياف لم يعد أولادنا جيل التلفزيون ولا جيل الكتاب لا الثقافة منه ولا المدرسي ويتجلى ذلك بإصرارهم على عملية النقل عند الامتحانات طبعا لا يجوز التعميم هنا لكن هي مسألة نسبية ما يعني أن هذا الجيل صنعه ويصنعه عالم افتراضي آخر هو الفيس ، فالصورة التي يخرج بها المرء من الأحاديث مع الآباء بشأن انشغال أبنائهم بالنت هي صورة آباء فقدوا السيطرة باضطراد وباتوا ينسحبون تدريجياً من القيام بدور فعال في تنشئة أجيالهم 0

مضيفة بأن المشهد الذي نراه يومياً هو انزواء الجيل على مختلف شرائحه صغاراً ويافعين لجهة تصفح مواقع التواصل الاجتماعي في البيت والسيارة حتى على مائدة الطعام ،وهنا لابد لنا من مقارنة التجربة التلفزيونية لدى جيلنا لجهة القراءة وما كان  يقدمه التلفزيون من مواد هادفة يتم الإشراف عليها رقابياً قبل عرضها مع تجربة ما يقدم وما تتناقله صفحات التواصل الاجتماعي في غيابنا وحضورنا لكن بعيداً عن أعيننا ما قد يشوه القيم لنكتشف ما إذا كانت التجربتان في الواقع لنشاطين متشابهين يلبيان حاجات متشابهة في حياة الناشئة واليافعين بمعنى أوضح جيل بل ضابط بيتي أو انطباطي0

                 مدير المناهج

مدير المناهج في تربية حماة الدكتور صائل  قال في حديث كنا قد أجريناه معه في وقت سابق عن مدى علاقة الجيل بالقراءة ودور المكتبة في حياته فأشار بكلمة اختصرت الكثير : إذا كان الأستاذ لا يقرأ فكيف له أن يشجع طلابه وتلامذته على القراءة ؟

فقبل إعداد الجيل لابد من محاولة إعداد المعلم ،وهذا لا يعني بالمطلق ليس هناك طلاب مبدعون  00نعم لدينا متفوقون ومهتمون بالكتاب المدرسي أولاً وقليلاً بالكتاب الثقافي إنه جيل استهلاكي مشغول بمتابعة ما ينشر عبر صفحات التواصل الاجتماعي أكثر من أي شيء آخر 0

حسن عجيب مهندس معلوماتية قال :إن المقارنة بين المشاهدة التلفزيونية وقراءة الكتب من جهة،وبين ما يشاهد ويقدم عبر صفحات التواصل الاجتماعية فارق كبير لجهة اختلاف نوعية المادة المتاحة في كل وسيلة بصورة هائلة وهذا لا ينفي بأن هناك كتاباً غثاً وبرنامجاً تلفزيونياً سطحياً يفتقد إلى المعلومة الفكرية والثقافية الإبداعية ،لكن في كل الأحوال تبقى الخطورة والتأثير هنا أقل من مواقع التواصل الاجتماعي حيث الصورة المتحركة المبهرة وهذا الاختلاف يؤثر بصورة جوهرية في تأثير المادة المنتقاة 0 

                آراء متباينة

حاولنا أن نستقصي عدداً كبيراً من الآراء لتقديم المزيد من وجهات النظر وصولاً إلى الرأي الأكثر حضوراً في هذا الصدد، قال المهندس مطيع عبشي مدير عام مؤسسة حكومية : الخطورة لا تكمن فقط في الإدمان على الممنوعات وفقا على ما هو متعارف عليه لكلمة إدمان ،بل نعم نحن في عصر إدمان فيسبوكي والملفت في تبادل الرسائل عبر الواتس أب وصفحات وبوستات الفيس هي اللغة المحكية وهذا تشويهاً للغة العربية ،ناهيك عن الأخطاء الإملائية من كبار المتعلمين وكأننا في عصر الأمية للأسف 0

مشيراً إلى أن القليلين من الناس وطلبة اللغات ومدرسي القراءة هم الذين يدركون تأثير هذه  الممارسات في الوقت الذي تعتبر فيه عملية القراءة حالة وعي وتركيز، هكذا تستلزم بالضرورة ،أما القراءة عبر مواقع التواصل الاجتماعي فهي أقل تركيزاً إذ تدخل ضمن إطار التسلية والانشغال ليس إلا.

في هذه الأثناء قال لنا مجموعة الشباب  أحمد ابراهيم، غدي ديوب ،وسامي أحمد وآخرون : إن المطالعة عبر الفيس بوك أسهل من تصفح قراءة الكتب وأكثر متعة فهي متاحة أسرع من الكتاب والمعلومة تصل مباشرة وكأنك تمسك بكل العالم وأنت في البيت أو في أي مكان كنت 0

                 من الصعب إيقاف المشاهدة

سؤال واحد حملناه إلى عدد من الشرائح المجتمعية مؤداه : هل تستطيع إيقاف المشاهدة عبر صفحات التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع فكانت الإجابات بالمطلق بالنفي، بل سخر أحدهم وقال نعم يمكنني إذا كان جوالي معطلاً  .

إذن ربما تلعب مواقع التواصل الاجتماعية من خلال الإدراك الحسي ذات الصلة الاستثنائية بالتجربة الفيسبوكية دوراً جعل منها أكثر سحراً من أي تجربة أخرى بديلة كالكتاب 00

حين أغلقت الفيس بوك للمرة الأخيرة قبل شهر من الآن وأخرست الجوال فيسبوكياً ،كل هذه الفترة تكهن بعض الأصدقاء والمقربين بأنني لن أمكث طويلاً من دونه وجادل بعضهم حول أن التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي هي أرض قاحلة لا ترويها إلا قطرات نادرة من المعلومات  والبرامج ذات النوعية الجيدة من رأى هذا البعض أنه لا فرق بين البرامج التلفزيونية في كثير من الأحيان وبين ما يقدم عبر صفحات التواصل الاجتماعي أي كله عند العرب صابون .

               بعيداً عن الواقعية

الحقوقي علي الأصفر قال : انشغال الجيل بشكل منقطع النظير بالنت عبر اليوتيوب والفيس على مختلف تسمياته يمكن توصيفه بأنه انشغال  بعيد عن الحياة الواقعية الملموسة فقد كان في الماضي القريب الأطفال واليافعون مشاركين سبلبيين في تجاربهم المدرسية وكانت الفكرة المعتادة أن لدى المدرسين مجموعة من المواد لتدريسها وما على الأطفال على مختلف أعمارهم ومراحل دراستهم إلا أن يتشربوا هذه المواد كجزء من عملية تسمى التعليم، كان هذا في السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات وكانت تعتمد على نجاح وشخصية المدرس فيما إن كان واسع المعرفة والخبرة وعطوفاً ومالكاً لتلك القدرة الكارزمية وحاضر الذهن والبديهة ،وهذا ما يسمى تربوياً تشرب المعلومات المطلوبة  في حين ما نراه اليوم والكلام ما زال للحقوقي علي الأصفر العكس تماماً فاليوم في عصر الفيس بوك لم تعد هذه المعطيات والأسس قائمة ويكابر من يصر على وجودها في مدارسنا إلا ما ندر ومن هنا تكمن خطورة إعداد الناشئة وانشغاله الزائد بالفيس بوك بعيداً عن أي اهتمام بالكتاب الثقافي ليصح القول إنه الإدمان بعينه وبأبيه وأمه 0

الفئة: 
الكاتب: 
محمد فرحة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة