الأصول الجوهرية للترجمة

العدد: 
15729
التاريخ: 
الاثنين, 16 نيسان 2018

ويمكن إجمال الأصول الجوهرية للترجمة فيما يأتي:

1-البراعة اللغوية: وهذه البراعة ليست مقصورة على اللغة الأم، ولكنها تشمل اللغتين: الأم والهدف، لأنّ اللغة هي الآلة التي سيعزف عليها المترجم موسيقاه. ثم إن البراعة في اللغة الهدف أيضاً أشبه بمراهنة تتسم بالخطورة والمخاطرة في آن معاً، لأنَّ فيها كشفاً وبياناً لمدى سعة صدر لغته التي ينقل إليها وقدرتها على تمثُّل النص المترجم واستيعابه، وعلى مدى مقدرته من جهة ثالثة على خلق شكل لغوي جديد بأدواته اللغوية الخاصَّة ترفده ذاكرة اللغة الأم من جهة، وطاقته الإبداعية من جهة أخرى.

ولم يكن علماؤنا الأقدمون بغافلين عن هذه البراعة التي سبق منا القول فيها، فهذا هو أبو عثمان الجاحظ يوجب أن يكون بيان المترجم في الترجمة نفسها في وزن علمه في المعرفة نفسها، وأن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها حتّى يكون فيهما سواء.

2- الثقافة العامة الرّافدة للتخصص: فمعرفة عادات أهل اللغة التي ينقل عنها، والوقوف على دقائقها أمران لا غنى للمترجم عنهما البتّة إذا كان يريد لترجمته أن تبتعد عن الوقوع فيما هو جزء من التكوين الثقافي والاجتماعي لأهل اللغة التي ينقل عنها، ذلك أن المعروف بديهة أن لكل مجتمع عاداته الاجتماعية التي تشكل جزءاً من منظومة ثقافته العامة. ومن الأمثلة على ذلك أن التشبيه بالحمار والكلب يعدّ مدحاً في اللغتين اليونانية والإنكليزية. ويعدُّ التشبيه بالكلبة والجحش ذماً في اللغة الإنكليزية. والبومة في ذهن العربي نذير شؤم وخراب حتى قيل في ذلك: أشأم من البوم، لكنها في ذهن الألماني مصدر فَأْل وبشر، لذا تجده يعلِّق صورتها في مدخل بيته.

ومن الأمثلة على معاناة ذلك في أثناء الترجمة ما ذكره د. عمر فروخ لدى ترجمته كتاب ( الإسلام على مفترق الطرق) لمحمد أسد، فقد وقف عند تعبير يمثل الفرق بين أمرين مثَّل فيه المؤلف بالحصان الخاص بالركوب والحصان الخاص بالجر. وهذا التمثيل لا يعرفه العربي لكنه مفهوم بالنسبة إلى القارئ الغربي، لذا عمد المترجم في سبيل تقريب ذلك إلى القارئ العربي إلى التمثيل على الحصان الخاص بالركوب بالنجيب من الإبل، لأنه معروف بسرعته، ووضع في مقابل الحصان الخاص بالجر البعير الذي يستخدم عادة في الحلِّ والترحال وحمل الأثقال، ثم أردف ذلك بحاشية تجلِّي ذلك وتوضحه.

3- الربط المحكم بين التراكيب: ولعلّ ذلك يظهر من خلال مقارنتنا بين ترجمتين مختلفتين لنص واحد. فقد جاء في ترجمة صالح القرمادي لكتاب سوسير (دروس في الألسنة) ما يأتي:" ثم ظهرت الفيلولوجيا أي فقه اللغة. فقد سبق أن وجدت بالإسكندرية مدرسة فيلولوجية، إلا أن هذه التسمية تقترن خاصَّة بتلك الحركة العلمية التي أنشأها فريدريك أغسطس وولف بداية من 1777 والتي ما زلنا نشهد اليوم تواصلها".

فالربط مفقود بين الجملة الثانية والجملة التي تليها. فإذا ما قرأنا النص في ترجمة أخرى، وهي ترجمة د. حمزة المزيني نفسه التي جاءت على النحو الآتي:" ومن بعد ذلك ظهرت مدرسة فقه اللغة. وعلى الرغم من إطلاق هذا المصطلح أحياناً على إحدى المدارس اللغوية التي نشأت في الإسكندرية قديماً فهو لا ينصرف عند إطلاقه الآن إلاّ إلى تلك الحركة العلمية التي بدأها فريدريك أوغسطس وولف في سنة 1777م وهي التي ما زالت مستمرة إلى الآن"= أمكننا أن نرى شدَّة التلاحم بين جمل النص على نحو لا يجعلك ترى خللاً أو قطيعة تركيبية أو دلالية بين جملة وأختها.

4- تجنُّب الغموض واللّبْس: ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في ترجمة القرمادي نفسه أيضاً، وهو قوله:" إلاّ أنه لا يمكن أنْ يُعَاب بالإفراط في النزاهة العلمية". فهذه الجملة قد تؤدي معنى المدح فيما يشبه الذمّ، إلا أنها لا تؤدي المعنى في العربية بوضوح. والجملة في أصلها الإنكليزي:

But his failing was certain lock of cosicientiousness.

وترجمتها:" ولكن نقطة الضعف عنده تتمثّل في عدم الحرص على الدقة العلميَّة".

5- الاهتمام بالصياغة لا التبديل: وأعني بذلك الاهتمام بصياغة الفكرة لاالاقتصار على إبدال كلمة بأخرى. وهذه الصياغة تتطلب من المترجم أن يعرض عن  مسائل كثيرة كالتقديم والتأخير، أو الالتزام بعدد كلمات النص الأصلي للوصول بالنص إلى صياغة عربية سليمة.

6- إيثار التعريب على الترجمة: وأعني بذلك أن يجعل المترجم وكده في إلباس النص المترجم الثوب المناسب له وفق ما تقتضيه مقاييس العربيةوأصولها.

7- إضاءة مواضع من النص المترجم عن طريق ضرب الأمثلة من واقع اللغة التي ينقل النَّص إليها، ففي ذلك إغناء للترجمة وزيادة إيضاح لها.

8- ضبط المواضع المشكلة من النص المترجم .

9- سلامة الأسلوب: ويدخل تحت هذا الجانب الإلمام بالحدِّ الأدنى من المبادئ النحوية والصّرفيّة للغة المنقول إليها. ومن الأمثلة على ذلك في القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، قال:" إذا برز صوتان تماماً في الوضع الصوتي نفسه، وكانا يستطيعان التبادل بينهما من غير تغيير في معنى الكلمات، أو من غير أن تصبح الكلمة مستنكرة، فإن الصوتين يعدَّان تحققان لصوتين مختلفين".

وجاء في القاموس نفسه:" وهذا ما بيَّنه الزوجان الدنيا ( كذا) للكلمتين فونتيك وفونيميك".

ومن ذلك أيضاً قول يوسف غازي ومجيد في ترجمتهما كتاب سوسير:" ومن ثمَّ جاء ستيفن ألمان في الخمسينات ليطور علم دلالة الذي ينهض بوضوح وجلاء على

 

التقابلات الثنائية التي..." وقولهما:" وقبل أن نطوي الغارب لا بد من التنويه".

10 – مراعاة التقسيم الأصلي لفقرات النص بلغته الأصلية، ذلك أن كل فقرة معقودة للاضطلاع بمناقشة فكرة أو أفكار معيَّنة، وتمزيق الفقر وتقطيع أوصالها يذهبان بوحدة الأفكار التي تعرض لها، ويفضيان إلى التداخل بين أفكار فقرة أخرى.

تم التخفّف من الإحالات لأسباب فنية

الفئة: 
الكاتب: 
د. وليد محمد السراقيبي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة