أصفر العجاف يأكل أخضر السمان في الغاب

العدد: 
15737
التاريخ: 
الأحد, 29 نيسان 2018

في الطريق الطويل الممتد من مدينة حماة إلى سهل الغاب وصولاً إلى حدود محافظة إدلب شمالاً لم نعد نرى على طول الطريق المياه في مجاري نهر العاصي والينابيع والمستنقعات المائية التي كانت مرتعاً للبط البري والنورس يوم كان يغزو أحواض الأسماك بل أراض مقفرة إما كانت مزروعة بالقمح وانتهى كل شيء مع انتهاء موسم الحصاد وإما لم تكن مزروعة الأمر الذي غيب المسطحات الخضراء ولم تعد هي السمة الرئيسية لتلك المنطقة باستثناء الآبار الخاصة التي هي الأخرى قل استثمارها ما لم تكن على الطاقة الكهربائية في سهل فسيح وتحت سماء صافية وعلى وهج أشعة الشمس الساطعة يلوح سهل الغاب تكلله أقنية الري بمياه وبلا مياه وتحتضنه الأشجار الخضراء في سفحه الغربي الذي طالته الحرائق عشرات المرات ليبدو كالسراب بعدما كان أحواضاً مائية يقفز بنا الخيال ونحن نطوف على مشارفه شرقاً وغرباً إلى أيام زمان كنا لا نعرف من أين نعبر وبأي ممرات مائية سنغرق لنستعرض شريط الماضي الجميل ونحن نشهد الحاضر المرير سهل الغاب كانت تبلغ سعة سدوده 136 مليون متر مكعب الآن ولا متر مكعب واحد.

في الطريق بالقرب من بلدة حيالين قال لنا أحد المزارعين : لقد تراجعت كثيراً خلال السنوات الثلاث الماضية وارداتنا المائية المطرية ما جعلنا نعيد النظر في تعميق الآبار حيناً أو تنزيل المجموعات الكهربائية إلى الأسفل وصولاً إلى المياه يقابل ذلك والكلام مازال للمزارع تم فتح الآلاف من الآبار في مجال سهل الغاب وغير سهل الغاب بل كل المحافظات ما بات يهدد مياهنا الجوفية السطحية.

هذا الكلام من أحد المزارعين ينم عن وجع كبير قد يلحق بواقعنا الزراعي وبزراعاته لقد تم ثقب الطبقات الحاملة للمياه السطحية جراء الحفر غير المنضبط ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل تواجهنا أزمة خانقة بمياه الشرب رغم كل ما قدم لمشروع مياه نهر البارد من إمكانات وتبديل الشبكات والتجهيزات الميكانيكية لا تزال الأصوات ترتفع في قرى العبر وشطحة والشجر وعناب بشكل نسبي والمشكلة كما يؤكد الأهالي ليس في قلة المياه إنما في سوء استخداماتها ولم يقتصر الموضوع بمياه الشرب بل قد تصل لمياه المزروعات مدفوعة غالباً بسياسات تشجيع الإفراط في الاستهلاك وتجيز المبالغة في استغلال الموارد المائية الشحيحة المتوافرة ما يجعل الأجيال المقبلة تدفع ثمن تداعيات السياسات المائية الراهنة المفرطة ولنا في منطقة سلمية خير شاهد على ذلك.

فكيف يرى المزارعون وأهل الشأن مستقبل القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني .. وكيف نعيد له ألقه وإلى أين نحن ذاهبون في هذا القطاع الحيوي والرئيسي للأمن الغذائي هذا ما سنحاول الإجابة عنه في سياق التحقيق التالي.

أحاديث تبرئة ذمة

في الحوار الذي دار مابين وزير الزراعة والمزارعين بمدينة مصياف مطلع شهر تموز من العام المنصرم  حول محصول القمح والشوندر أعطى انطباعاً للمزارعين والحضور أن ما يسمع شيء وما على أرض الواقع شيء آخر لجهة الاهتمام والتسعير والتحفيز وتأمين المستلزمات قبل أوانها وكم كان المزارعون على درجة عالية من المسؤولية والاهتمام حين فندوا مشكلاتنا الزراعية وتهديد قلة الإنتاج والواردات المائية وما يلحق بالغابات من اعتداء ما يشكل تهديداً كبيراً للأمن الغذائي يدفعه بشكل رئيسي إهمال هذا القطاع أي الزراعي وتخلفه رغم أنه حاضر في كل المناقشات الرسمية والحكومية والعامة دون التركيز على الشق الهام فيه ألا وهو الثروة الحيوانية الأمر الذي يؤدي إلى سوء الإنتاجية حسب وصف رئيس رابطة مصياف الفلاحية  وانخفاض كفاءة الري وضعف خدمات الإرشاد الزراعي الذي يحتاج هو إلى إرشاد والتسعير البسيط.

ومع ذلك يقول مدير الإنتاج النباتي في هيئة تطوير الغاب المهندس وفيق زروف: إن ميزاننا التجاري مقبولاً بل جيداً لطالما لم تتصاعد بعد فواتير الشراء للمستوردات الغذائية فالخير من الخضار والفواكه يغرق البلد بأسواقه رغم أن الاقتصاديات لدينا في كثير من الأحيان تستنزف الموارد الطبيعية المتجددة بشكل غير مستدام تحفزها في بعض الأحيان أرباح قصيرة الأجل وهذا يتسبب وفقاً لحديث زورف بإفقار الموارد الأرضية والمائية الشحيحة فلا نسمع أحد يتحدث عن كلفة التدهور البيئي المكلف جداً داعياً إلى إيلاء التنمية الريفية الزراعية المزيد من الاهتمام والرعاية لهدف أساسي استراتيجي لتخفيف الفقر في الأرياف وليعكس سنوات الإهمال والتقصير مؤكداً على ضرورة سن قوانين أكثر صرامة للحد من هدر مياه الشرب وتوفير مقومات القطاع الزراعي الذي يشكل الرافعة القوية للاقتصاد الوطني خلال السنوات القليلة المقبلة هي سنين الإعمار وأن لا يبقى الحديث عن هذا القطاع مجرد تبرئة ذمة.

من ناحيته قال عضو المكتب التنفيذي لقطاع الزراعة المهندس رفيق عاقل : إن تحسين نوعية البذور وكفاءة الري وحفظ التربة والمحاصيل الزراعية والممارسات المستدامة من شأنه أن يعيد الحيوية إلى القطاع الزراعي الذي مازال محافظاً على توازنه رغم ما تشوبه بين الحين والآخر من منغصات هنا ومنغصات هناك لجهة ارتفاع أسعار التكلفة وغياب التحفيز وبالتالي زيادة حصة في القوة العاملة المنتجة لدينا على نحو تحسين مستويات المعيشة وبخاصة للعاملين في هذا القطاع وبالتالي يحد من هجرة الريف إلى المدينة قبل أن تشكل هذه الظاهرة عطالة اجتماعية فإذا ارتفعت نسبة العاملين في القطاع الزراعي أكثر مما هي عليه الآن فإن ذلك سيؤكد أكثر من 40 بالمائة من القوة العاملة قد عادوا إلى العمل بقطاع الزراعة وهذا مؤشر في غاية الأهمية 0

ويضيف عاقل لكن على الحكومة التحول إلى الممارسات الزراعية المستدامة ما سيحقق وفورات كبيرة في الناتج المحلي شريطة تحسين الإنتاجية والنوعية ما يجعل هذا المنتج مرغوباً تصديرياً للأسواق الخارجية إضافة إلى تحسين الصحة العامة وحماية أفضل للموارد البيئية.

ضمان رخاء العاملين

رئيس الرابطة الفلاحية في منطقة الغاب حافظ سالم قال : رغم كل سنين الأزمة وما رافقها من تخريب في شبكات الري الحديث وارتفاع أسعار تكلفة المنتج الزراعي وغير الزراعي ما زال المزارعون مصرون على المضي قدماً في رفع سوية الإنتاج الزراعي لكن ما يعيب ذلك هو ضعف المردود المادي الناتج فليس من المعقول ما شاب ورافق محصول القمح العام الماضي  وما ترتب جراء ذلك على المزارعين لجهة عدم تسليم بعضهم لأقماحهم وقد تجلى ذلك في الكميات التي ضبطتها الرقابة التموينية في مستودعات العديد من التجار إضافة إلى أن الإنتاج العام لم يتعد عن الثلاثة 337 ألف طن وهو الرقم الأقل منذ مطلع السبعينات وعلينا دراسة الأسباب والوقوف عندها مطولاً لتجاوزها آملين أن يشكل التحفيز السعري الجديد بدفع المزارعين نحو تسليم كل إنتاجهم لمؤسسة الحبوب شريطة إنصافهم من قبل لجان الشراء وكذلك الاهتمام أكثر بالثروة الحيوانية لما تقدمه من مردود وبخاصة وأننا مقبلون على إقامة معامل للألبان في كل من جب رملة واللاذقية.

وأضاف سالم: إذا ما أردنا للاقتصاد الأخضر زراعياً وبيئياً أن ينمو ويزدهر ما علينا إلا أن نعيد النظر في كثير من الأمور يأتي في مقدمتها تشجيع الفلاحين وتحفيزهم على زيادة الغلة من ضمان رخاء العاملين في هذا القطاع والتركيز على تأمين مصادر المياه لأنه في ذلك دفع المزارعين لرفع سوية العمل وزيادة المشتغلين فيه بشكل مستدام.

من ناحيته قال مدير عام مؤسسة مياه شرب حماة المهندس مطيع عبشي  : إن الحديث مهما تكرر حول السياسات المائية و الزراعية  فهو عصب الحياة لذلك لابد من إجراء التحولات في سياسات قطاع المياه من خلال إدخال إصلاحات مؤسسية وقانونية تؤثر في استخدام المياه وتنظيمها باعتبار أن جل ما نعاني منه من نقص في تأمين المياه للشرب قبل الزراعة مرده سوء الاستخدام والعبث في توزيعها واستهلاكها بلا طائل بسبب غياب ضبط وتنظيم الوصول إلى حاجة المستهلكين كما يقول مدير عام مؤسسة مياه حماة 0

مضيفاً: أن ما تم رصده من اعتمادات هذا العام يفوق العشر، سنوات الماضية ومع ذلك تعاني العديد من التجمعات السكانية من أزمة عطش لكننا سنحصد النتائج خلال العام القادم وما يليها وبخاصة بعد الشروع في إقامة الخزانات المائية في سفح سهل الغاب الغربي الذي من شأنها أن تنعش القطاع الزراعي وتعيد إليه بريقه الذي بدا المزارعون يفتقدونه.

إلى ذلك قال رئيس مجلس مدينة مصياف المهندس سامي البصل : إننا نفتقر إلى البناء الأخضر أي العمارة الخضراء في الوقت الذي يعتدي فيه الآخرون على كل كائن أخضر حي كالغابات رغم أنها مصدر جذب للسياحة والاستثمار حيث يشكل هذا الجانب والجانب الزراعي الرافعة للاقتصاد الوطني ومن هنا نرى اهتمام  الحكومة التي تسعى على  توفير أسس نجاح وازدهار هذين القطاعين  وهذا ما لمسناه خلال زيارة رئيس الحكومة إلى محافظة حماة   إلا أن قراءة  الأرقام المخصصة للفرد من المياه توضح وتساعد في فهم المعاناة فلا بد من تعميق الأبحاث للتوصل إلى أفضل المعطيات المائية وبالتالي الغذائية والحفاظ على ما هو متاح بالشكل الأمثل من أجل مستقبل زراعي وبيئي وسياحي أفضل.

المصدر: 
حماة – الفداء - محمد فرحة