البالة ...تزيح الألبسة الوطنية من خارطة التسوق

العدد: 
15745
التاريخ: 
الأحد, 13 أيار 2018

جميعنا يتمنى أن تكون الصناعة السورية من أفضل الصناعات في العالم، وأن يلبس المواطن السوري حذاء سوري الصنع لأكثر من شهرين متواصلين دون أن ينفصل أسفل الحذاء عن جلده، أو دون أن يتآكل الكرتون المكون الأساسي في صناعة الحذاء، وكذلك الأمر بالنسبة للملابس بدءاً بالكنزة العادية وصولاً إلى الجاكيت حيث وصل سعره إلى حدود راتب شهر كامل للموظف، الصناعة الجيدة المرافقة بالجودة هي حلم كل مواطن سوري، ورغم أن أسعار هذه البضائع لم تكن تشكل عبئاً مادياً كبيراً إلا أن افتقادها للجودة كان مكلفاً،  نتحدث طبعاً في الوضع الطبيعي حين كان ينعم البلد بالأمن والآمان، فكيف هو حال الصناعة اليوم بعد كل ما تعرضت له من تخريب. وما وصلت إليه أسعار تلك البضائع حيث تعدت الحدود الطبيعية لتقف على عتبة الجنون.

هذا ما جعل المواطن يجد في البالة ملجأً له للحصول على قطعة جميلة أنيقة بسعر يناسب وضعه المادي المتردي.

 في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، الذي طغى على أسعار الملابس الجديدة، أصبحت البالة هي الملاذ الوحيد لذوي الدخل  الذي هده كثرت المتطلبات مع ارتفاع الأسعار لما يوجد بها من ملابس رخيصة نسبياً، وتناسب جميع الأذواق، وتراعي جيوبهم مقارنة بأسعار المحال التي تعدت أسعارها متوسطي الدخل، ورغم ارتفاع أسعار الملابس المستعملة (البالات) بمختلف أشكالها وألوانها، إلا أنه لا يمكن مقارنتها بالأسعار الجنونية التي ضربت الأسواق، بدليل كثرت المحال الخاصة ببيع البالة والمتتبع سيرى الإقبال الكبير من قبل المواطنين الفقراء لتلبية احتياجاتهم بأقل الأسعار ومن قبل الأغنياء كموضة لشراء الماركات العالمية.

أما عن نظرة الشارع للبالة فهناك إجماع بأن الملابس المستعملة باتت الملجأ الوحيد لأبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، بعد غلاء الأسعار الذي فرض كلمته على الأسواق ما لا يقدر معظم الأهالي على التأقلم معه. المميز أنّ الإقبال على البالة لم يقتصر على هاتين الطبقتين بل كان للأغنياء نصيب كبير أيضاً، إذ باتت أسواقها مقصداً لجميع فئات المجتمع لتناسب أسعارها دخل الفرد إلى حدّ ما.

 من الملاحظ أن الكثيرين لم يعرفو "البالة " قديماً التي كانت للفقراء والمعدمين فقط، لكنّ الحاجة الماسة للملابس وسط غلاء أسعار الجديد منها ، فسعر القطعة في محل البالة يعادل نصف سعر القطعة الجديدة خصوصاً أنّ معظم قطع البالة المستوردة غير مهترئ ولا علامات على قدمه  ومنها ما نلاحظ وجود كرت المنشأ عليه.

أما بخصوص أسعارها، فتتفاوت بحسب جودة القطعة وعلامتها التجارية. ففي محال البالة تتوافر بضائع تناسب جميع الفئات، وهناك ملابس فيها خلل ما في الخياطة من المعمل أو ملابس غير مستعملة بشكل كبير وأقرب ما تكون إلى الجديد أي تصفية لمحال ويطلق عليها تسمية "نوع أول" وهي أغلى سعراً، وهناك نوع ثانٍ وثالث كلٌّ حسب سعره بما يناسب طلب الزبون.

ونلاحظ اليوم أنّ ظاهرة محال البالة تشهد انتشاراً واسعاً في أسواق حماة وريفها. وقد بات شراء الملابس أمراً ثانوياً لدى الأهالي، بل يعد من الرفاهية نسبة إلى أهمية توفير ثمن الطعام والشراب الذي يعانون صعوبة في تأمينه أساساً، والظروف المعيشية أجبرتهم على البحث عن وسائل بديلة لكل شيء للتأقلم مع ظروف حياتهم القاسية على سبيل المثال فإنّ السعر الوسطي لسروال رجالي جديد هو سبعة آلاف ليرة سورية وهناك أصناف سعرها يتجاوز 10 آلاف ليرة، وهو مبلغ يعادل ثلث راتب موظف حكومي. أما المستعمل فسعره بحدود 1500 ليرة، وهناك أصناف سعرها يزيد عن ذلك بقليل بحسب الجودة ونوع القماش، فالأسرة بجميع فئات أعمار أفرادها تجد ما تطلبه بسعر يناسب دخلها نوعاً ما.

من جهة اخرى فالانتشار الكبير لهذه المحال كان سبيلاً لعمل كثير من العاطلين عن العمل، ولتشغيل التجار الذين توقفت أعمالهم، خصوصاً بعد الرواج الكبير الذي شهدته هذه المهنة  في مصياف وحدها يتواجد أكثر من 45محل للألبسة المستعملة وهناك ضعفها في الريف  وعن مصدرها قال أحد التجار العاملين فيها: إن معظم الملابس المستعملة أوروبية أو صينية المنشأ، فهي ذات نوعية جيدة بالرغم من كونها مستعملة. نشتريها بالكيلو غرام ويختلف سعرها مع اختلاف صرف الليرة، كونها مستوردة. بعد فرز كلّ صنف بحسب جودته ترتب بحسب المواسم والعمر، فهناك ملابس شتوية وصيفية، وملابس للأطفال والكبار  ولا تقتصر البالات على الملابس فحسب، بل انتشرت بالات الأحذية، ولكن معظمها يسجل أسعاراً مرتفعة، وخاصة الأحذية الرجالية الرياضية، ليصل سعر الحذاء في بعض البالات إلى 30 ألف ليرة سورية.

 يؤكد أصحاب المحال أن هذه البضائع لم يعد شراؤها يقتصر على الفقراء وحسب، بل يمتد إلى الأثرياء، نظراً للأنواع وماركات الألبسة العالمية غير المتوافرة حتى في أشهر محال الملابس. وهناك محال بالة لها زبائنها، إذ تضم ملابس بماركات عالمية، معظمها غير مستعمل، ما يعني أنّه في حالة ممتازة. لقد باتت البالة وسيلة تكيّف أوجدها بعضهم سبيلاً للحياة، شأنها شأن الكثير من أمور ومتطلبات الحياة كاستبدال اللحوم الطازجة باللحوم المثلجة وأثاث المنازل الجديدة والأدوات الكهربائية بالمستعملة وغير ذلك.

وكان "رئيس جمعية حماية المستهلك" عدنان دخاخني أوضح سابقاً، أنه عندما يسمح باستيراد البالة بشكل نظامي، تكون أزمة أسعار الألبسة قد حُلّت تماماً حيث إنّ من يريد الألبسة الجديدة أو المصنعة وطنياً يستطيع إيجادها، ومن كان يبحث عن ثياب تفي بالغرض للاستعمال اليومي، أيضاً يمكن أن يجدها في البالة، وهذا لا يضرّ بالصناعة الوطنية على الإطلاق، و إنّما يكون موازياً لها و متمّماً لحاجات المواطنين.

اعتاد مواطننا اليوم على الألبسة المستعملة فهو لا ينظر إلى محال البالة على أنها مكبات للنفايات، بل كان يتجه إليها للحصول على البضاعة الأفضل بالسعر الأنسب،  بعد أن أصبت أسواق البالة بديلاً اقتصادياً مناسباً، وجودة للبضائع افتقدها في أسواقنا، وإن وجدت فهي بأسعار يخشى حتى الحديث بها.

المصدر: 
حماة - الفداء - ازدهار صقور