من الزمن الجميل ذكريات رحلة العلم بين القرى في مصياف

العدد: 
15746
التاريخ: 
الاثنين, 14 أيار 2018


 الأقدام شبه العارية هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المدارس، يحملون كتبهم ودفاترهم في أكياس ويقطعون مسافات واسعة في حر الصيف وبرد الشتاء وفي أيام الثلج البارد لتلقي العلم، إنهم من نستطيع القول عنهم طلبة علم لأنهم عانوا للحصول عليه،  ومع دخول الآلات القليلة في خمسينيات القرن الماضي كان عدد قليل من طلبة العلم يستطيعون تحمّل التكاليف، لكن رحلة البحث عن المعرفة كانت أقوى من الجوع والبرد والحرّ. 

 

يحدثنا الأستاذ شريف العلي الذي يعدّ من الرعيل الأول عن رحلته للوصول إلى المدرسة بالقول: عندما رغبت في إكمال علمي والحصول على السرتفيكا كان لزاماً عليّ قطع مسافة طويلة بين قريتي ومنطقة مصياف، كنت أحمل أمتعتي ولوازم الطعام على ظهري، وأمشي لساعات طويلة حتى موعد الوصول، وكان يوم العودة إلى البيت عقوبة كاملة بسبب البرد الشديد والثلوج التي تعيق الحركة، كنا نلبس في أقدامنا شبه حذاء، وكانت الضباع مصدر رعب حقيقي لنا بسبب كثرتها ، لكن التصميم على التعلم كان أكبر من كل ذلك، وأذكر عندما كان أحدنا يشتري حذاءً جديداً كان يضعه تحت إبطه ويمشي حافياً حتى يبقى أطول مدة ممكنة، كانت رحلاتنا ملأى بالتشويق الدائم والقصص التي ما زلنا نسردها لأحفادنا، وخاصة في ليالي الشتاء.
وعن رحلة البحث عن العلم والمعرفة، أوضح الموظف المتقاعد ربيع الحسن ذلك بالقول: «كان طلاب الصف السابع ملزمين بالدوام في منطقة مصياف، وكان الأهل يقومون بتجهيز حزمة تحتوي فراشاً ولحافاً ومخدة وصندوقاً، إضافة إلى مستلزمات الطبخ الأخرى من: (ببور، وطنجرة صغيرة مع مقلاة، وإبريق، وتوابع الطبخ والشراب، ويمكن إضافة (قطرميزات) اللبن والمكدوس والزيتون مع لفات الخبز العربي، تنقل هذه الحاجات على ظهر الدواب، ومن هناك تنقل بالسيارة الوحيدة المخصصة لنقل الركاب من القرية ، ولحسن الحظ كان سائق السيارة خدوماً جداً ولا يترك طالباً إلا بعد أن يطمئن أنه وصل إلى البيت الذي استأجره ويضع كل أغراضه داخل غرفته؛ وبذلك تكون رحلة الذهاب قد اكتملت لنبدأ رحلة الإياب أو رحلة الشتاء والصيف
ويتابع: «كنا ننتظر يوم الخميس للعودة إلى القرية ولقاء الأهل، وقد نعود مشياً على الأقدام في معظم الأحيان، ونادراً ماكان بإمكاننا العودة بسيارة القرية الوحيدة التي كانت تأتي باكراً وتعود قبل أن ننهي فروضنا المدرسية ولهذا كنا نضطر في معظم الأحيان للسير، أما الحظ الأكبر فيكون حين يجد أحدنا أحداً من أقاربه قد نزل إلى المنطقة في حاجة، فيعود معه على الدابة التي كانت وسيلة نقل منتشرة بكثرة وهي تبقى أفضل بكثير من السير على الأقدام. 
ويتذكر في أحد المرات لن أنسى تلك الرحلة التي عدنا فيها بمقطورة الجرار الذي كان ينقل روث البقر فاضطررنا أن نجلس القرفصاء كي لا يتلوث البنطال الوحيد بروث البقر ومع ذلك تلوث، ونالنا من حب الأهل جانباً مكافأة لنا على ما اقترفناه من أخطاء. أما رحلة الشتاء فهي الأصعب لنقوم بالسير من دون أي أمل بوجود وسيلة نقل مجانية، لكن يحلو المشوار أيام الثلج؛ حيث تكون العطلة طويلة، ويبقى الأمر ضمن نطاق القدرة من حيث تحمل برودة مياه الثلوج التي تعبئ أحذيتنا البالية ، وتبدأ الرياح لفح أجسامنا الطرية، وهو ما يضاعف البرودة أضعافاً، وعندها لن تجد حرجاً في الغناء للتسلية، وبعدها تسمع الضحك تارة والبكاء تارة أخرى، لكننا في جميع الحالات نصل سالمين.
 

 

الفئة: 
الكاتب: 
ازدهار صقور