عندما يغيب التخطيط الزراعي . . لن يكون الفلاح بخير

العدد: 
15747
التاريخ: 
الثلاثاء, 15 أيار 2018

يقول المأثور الشعبي : ضربتان على الرأس تدوخ فكيف إذا توالت الضربات المتكررة والمتواصلة ؟
يقابل ذلك مأثور شعبي آخر مؤداه : المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين لكن إصرار المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي وتمسكهم بالأرض هو الدافع الأول والأخير لتأمين حاجة أسواقنا المحلية من الإنتاج الزراعي رغم كل الضربات الموجعة واللدغ المتكررة من جحر تدني الأسعار، يتابع المزارعون إغراق أسواقنا المحلية بالمنتج الزراعي ولزوم الإنتاج الصناعي دون أن ترف للجهات المعنية عين في البحث عن قنوات تصريف الفائض الكبير من هذا المنتج ما يؤدي إلى إتلافه حيناً وبيعه بأسعار بخسة سعر العبوة أكثر من سعر الكيلو من أي منتج منه .
فكلنا يتذكر ما لحق بالحمضيات منذ عشرة سنوات وكساد بل إغراق السوق المحلية منها  في ظل غياب معامل العصير رغم اشباعها حديثاً ما دفع السورية للتجارة لشراء المحصول وتقديمه بالمجان للمواطنين لكن للسورية طاقتها فهي غير قادرة أن تشتري الثوم والبصل والبطاطا وبقية الخضار والفواكه فهي بالكاد تستطيع تصريف أقل ما تتسعه صالة من صالاتها فإغراق السوق بأي منتج كان يؤدي الى تدني أسعاره والعرض والطلب وحده من يحدد السعر بدليل يوم غابت البطاطا قبل سنتين من الآن من أسواقنا وصل سعر الكيلو إلى 500 ليرة ومثله كيلو الثوم بألف ليرة وقس على ذلك في حين تشهد أسواقنا منذ سنتين متتاليتين  خسائر فادحة كبيرة بالمزارعين لم يعد بمقدورهم تحملها فليس من العدل والموضوعية أن يباع كيلو البطاطا في أسواق حماة ما بين الـ45 – 70 ليرة وهو من إنتاج العروة الربيعية التازه كما يقال والموسم بعد في بدايته في حين يباع الكيلو في دمشق كما أعلمنا زميل صحفي ما بين الـ150 -180 ليرة فهل يشتري أبناء دمشق البطاطا من حماة وكذلك البندورة والثوم والبازلياء وغيرها ؟
حكاية الخسائر المتلاحقة التي تضرب المزارعين وبخاصة الصغار منهم قد تدفعهم إلى عدم تكرار الكرة مرة ثانية وبالتالي نعود ونشهد فيها ارتفاع الأسعار ما يحتم على الجهات المعنية الزراعية إعادة النظر بسياستها الزراعية ودراسة الخطط الزراعية وبخاصة أنه يوجد لديها أسطول من الكوادر الفنية يلهون في وحداتها الإرشادية لا حركة ولا بركة ونحن شاهدين على ذلك لكثير من هذه الوحدات الإرشادية الريفية .
أسعار ببلاش
في جولة سريعة في أسواق هال مصياف وحماة لاحظنا الغبن الذي يلحق بالمنتجين وهذا ما أكده الباعة أنفسهم فكيلو البندورة نوع أول بالجملة يباع بـ125 ليرة سورية وكيلو البطاطا في سوق هال حماة بين الـ 65 – و80 ليرة وهي من إنتاج العروة الربيعية الحالية في حين يباع إنتاج العروة الخريفية بـ45 ليرة وبطاطا البراد القديمة بـ35 ليرة ولكم أن تتصوروا الخسائر التي تلحق بالمنتجين ؟
أبو ابراهيم من ريف محردة التقيناه في سوق هال حماة قال في معرض إجابته عن سؤالنا عن الربح الذي يمكن أن يحققه المزارعون في ظل إغراق السوق بالإنتاج الزراعي: هي مثل تجارة جحا بالعطر الذي يشتري ويبيع بنفس السعر لكنه فقط يشم الرائحة الطيبة كما قال جحا يوم سئل لماذا تتاجر بالعطر وواقع الحال ينطبق على المزارعين يشترون كيلو بذار البطاطا بـ425 ليرة ويبيعون الكيلو بـ65 وفي أحسن الحالات 80 ليرة وعليك أن تحسب سعر العبوة وأجور النقل والنسبة التي يتقاضاها بائع سوق الهال.
هذا ما يتعلق بأسعار البطاطا أما أسعار الثوم والبندورة والفول والبازلياء فليست أحسن حالاً فكيلو الثوم إنتاج هذا الموسم يباع بـ50 -60 ليرة والبازلياء مفرطة أي جاهزة سعر الكيلو بـ250 ليرة والفول 180 ليرة.
عن أسباب تدني هذه الأسعار يقول أبو نزار صاحب محل في سوق هال مصياف: لا أحد يستطيع أن يضع السعر الذي يروق له فالعرض والطلب وحدهما من يحدد الأسعار فغزارة الإنتاج وقلة الطلب تجعل من المنتج يباع بسعر بخس ما يلحق بالمزارعين خسائر فادحة وكبيرة جداً .
وأضاف : لقد تم إتلاف بيادر من الثوم الموسم الماضي جراء سعره البخس وهذا العام سيحدث ذلك بالمختصر المفيد ليس لدينا روزنامة  وخطط زراعية لا لجهة المساحات المزروعة  ولا لجهة التصدير فلو كان هناك قنوات تصديرية للبطاطا والثوم السوري الذي لا يضاهيه إنتاج لما تلحق الخسائر بالمزارعين سنوياً فالكل يتحدث عن تصريف المنتج مع بدء طرحه في الأسواق ويبقى الحديث عنه ريثما ينتهي دون مؤشرات حقيقية على أرض الواقع فاتحاد الغرف الزراعية نسمع جعجعته ولم نر طحينه وكأننا أمام سباق من التصريحات ويكفي أن ترى وجوه المزارعين لترى الدلالات على حجم ما يلحق بهم من خسائر.
صاحب سيارة ينقل الخضار والفواكه سألناه لماذا لا يتم نقل الخضار والبطاطا الى دمشق والمحافظات الأخرى فأجاب:  أن تكلفة أجور النقل باهظة إضافة إلى الابتزازات الأخرى الطرقية ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه المواد.  
غياب قنوات التصرف
عدد من المزارعين من ريف محردة ومصياف وحماة قالوا: الكل يتحدث عن القطاع الزراعي وأهميته بالنسبة للاقتصاد المحلي لكن دون أن نرى شيئاً على أرض الواقع بدليل  إغراق السوق المحلية بكل ما يطلبه المستهلكون بدءاً من البطاطا والثوم والفول والبازلياء والبرتقال والكوسا والبندورة عدا عن السيارات التي تجوب الريف والأحياء المتطرفة في المدن فلو كان لدينا قنوات تصريف هذا المنتج وخلق حالة من التوازن بين حاجة السوق المحلية والتصدير لما رأيت ما تشاهده الآن من كساد للإنتاج الزراعي.
من ناحيته قال المزارع لؤي : العام الماضي لحقت بي خسارة قدرت بمئات آلاف جراء تخزين عدة أطنان من البطاطا لأبيعها قبل أشهر من الآن بـ45 -50 ليرة فهي لا تغطي كلفة أجور البراد.
قلنا له السورية جادة كما نسمع باستجرار المنتج من البطاطا من المزارعين وبأسعار تحفيزية فقال: أين هي مجرد كلام ينتهي المحصول من الأرض وهي تقول ستستجره وإن استجرت بعضاً منه يكون في محافظة واحدة  فليس لديها الفنيين ولا المختصين في الشأن الإنتاجي الزراعي وهي تريد بطاطا على كيفها ومقاسها لجهة الحجم  وهذا لا يناسب النسبة الكبيرة من المزارعين ومع ذلك لم تشتر حبة بطاطا واحدة من قريتنا بريف مصياف ..كفاك أحاديث قال لنا .
إلى ذلك سمعت مدير فرع الاستهلاكية بحماة يقول  في حديث له لإحدى المحطات الفضائية في معرض رده عن تدني أسعار البطاطا مطالباً المزارعين أن لا يقلعوا المحصول مع بعضهم بل كل على حدا ألا يضحك هذا الكلام ليضع لنا دوراً وبرنامجاً إذا كان باستطاعته ؟
وتعليقاً على ذلك نشير هنا إلى إن فرع الاستهلاكية أو السورية للتجارة بحماة قد خولته الوزارة أي التجارة الداخلية بشراء الإنتاج من المزارعين وتوزيعه على صالات فروع المحافظات الأخرى ففي هذا الصدد لم يشتر سوى 65 طناً فماذا تساوي إذا ما قيست بالإنتاج الإجمالي لدينا فعدة مزارعين ينتجون هذه الكمية انه ضحك على اللحى فحتى حديث وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك بأن السورية للتجارة قد استجرت 8000 طن فهذا لا يشكل شيئاً يذكر إذا ما قيس بإجمالي الإنتاج .
أين اتحاد المصدرين مما يجري لإنتاجنا الزراعي ؟
في غرفة زراعة حماة قيل لنا أن الخسائر المتلاحقة التي تصيب المزارعين جراء تدني أسعار المنتج المحلي قد تدفع بالعديد منهم إلى عدم إعادة الكرة  العام القادم أو البحث عن زراعات أخرى يمكن تصريفها بسهولة في السوق المحلية دون إغراقها لهذه الأسواق وأضاف مصدر غرفة زراعة حماة: الخشية من زراعة محصول الشعير في الأراضي المروية العام القادم بدلاً من الزراعات الأخرى فطن الشعير بـ140 ألف ليرة ولا يحتاج الى التكلفة الباهظة أبداً وعند ذلك تفتقد أسواقنا المحلية للخضار بشتى أنواعها .
باختصار: عودتنا التجربة أن لا نتحدث عن التصدير إلا عندما يكسد الإنتاج وتغرق به أسواقنا المحلية ويستمر الحديث عنه إلى أن تنتهي المشكلة ولنا في الحمضيات والتفاحيات أسوة غير حسنة بذلك فلماذا لاتدرس وزارتا الزراعة والاقتصاد الإنتاج المتوقع سنويا من محاصيلنا الزراعية من خلال المساحات المزروعة ومردوديتها الإنتاجية وحاجة السوق المحلية منها ومن ثم تصدير الفائض والتحضير لذلك في وقت مبكر.
لكن لرئيس اتحاد الغرف الزراعية محمد كشتو رأي وتبرير آخر إذ قال :كلنا يعمل على إيجاد قنوات تصريف المنتج الزراعي  السوري الفائض لكن المسألة ليست بهذه السهولة فالحكومة مستنفرة لهذه الغاية فمحصول البطاطا سوق تصريفه  تصديرياً مطلوب عراقياً لكن ليس هناك معابر آمنة لإخراج البضاعة وأن استطاع أحدهم تكون التكلفة كبيرة جداً جراء عمليات النقل والأمور الأخرى .
وأضاف كشتو نأمل قريباً فتح المعابر الحدودية مع دول الجوار لتصريف المنتج الزراعي بكل أشكاله وأنواعه فمواد مثل الثوم والبصل والبندورة والبطاطا مواد غير قابلة للشحن لمسافات طويلة لتعرضها للتلف فيما لو فكر أحدهم تصديرها عبر البحر وبذلك تكون عملية التصدير غير مجدية ولذلك سيبقى الإنتاج الزراعي الفائض عبئاً على الحكومة وعلى المنتجين أنفسهم نأمل من الله أن تنتهي المشكلة التي يعاني منها البلد وعندها يصبح الاستيراد والتصدير متاحاً لمن يرغب وتنتهي خسائر المزارعين .
الى ذلك قال رئيس غرفة تجارة حماة حسان المصري: الغرفة تنحصر مهمتها في منح فاتورة منشأ ومن ثم يأتي دور مديرية الاقتصاد وبخصوص تصدير المنتج الزراعي أياً كان نوعه لم يأتينا أي رجل أعمال طالباً فاتورة المنشأ هذه رغم ما للتصدير من أهمية لجهة تأمين القطع الأجنبي للخزينة العامة للدولة مشيراً بأن ما يجري للمزارعين يشكل خسارة كبيرة جداً فكيلو البطاطا للمستهلك يباع هنا في حماة بـ55 ليرة رغم أن تكلفته قد تكون أكبر من ذلك .
من ناحيتها قالت مديرة الاقتصاد بحماة رباح علواني : لم يتقدم إلينا أحد طالباً تصدير المنتج الزراعي فقط منحنا عدة موافقات لمصدري الفستق الحلبي واللوز والجوز أما غيرها فلا زراعياً .
وأضافت بأن المديرية تمنح دائماً موافقات لتصدير الاجبان والألبان التي تشتهر بها محافظة حماة أكثر من غيرها حيث نمنح الراغبين شهادة المنشأ المطلوبة.
من ناحيته قال مدير عام هيئة تطوير الغاب المهندس غازي العزي: حقيقة الخسائر الذي تلحق بالمنتجين خلال السنتين الماضيتين والحالية لاتقدر وكبيرة جداً بدءاً من البطاطا مروراً بالثوم وانتهاء بالحمضيات وغيرها بسبب غياب  أسواق التصريف والتصدير الخارجي.
مضيفاً أن السبب الجوهري لهذه المشكلة يكمن في غياب المنافذ الحدودية مع دول الجوار رغم أن الحكومة كما علمت من وزارة الزراعة قبل أيام تأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار وتقدر الخسائر التي تلحق بهؤلاء المزارعين مشيراً إلى أن غياب التخطيط الزراعي أحيانا ورغبة المزارعين بزراعة محصول بعينه دون سواه سنويا يؤدي الى ذلك أيضاً أما أن يباع كيلو البطاطا بـ45 ليرة وكيلو البندورة بـ 125 ليرة والحمضيات بـ60 ليرة وتلف كميات كبيرة منه ومن الثوم والبطاطا والبصل والملوخية  وغيرها فهذا يشكل خسارة كبيرة للاقتصاد الوطني ويدفع بالمزارعين الى عدم الزراعة في قادمات الأيام وبخاصة مع ارتفاع أسعار التكلفة فالقضية بعهدة وزارتي الزراعة والاقتصاد واتحاد المصدرين الذي لا يعرف المنتجون  عنها شيئاً  سوى الاسم .

المصدر: 
حماة ـ الفداء ـ محمد فرحة