نقل السفارة . . المعاني والدلالات

بالأمس حلّت نكبة جديدة في التاريخ الفلسطيني خاصة ، وفي التاريخ العربي عامةً , تمثلت بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة ، وذلك بعد سبعين عاماً بالتمام والكمال على النكبة الأولى عام /1948/ .

والحقّ أن المعاني والدلالات التي تمثلها هذه الخطوة الأميركية المشؤومة يمكن إجمالها في ثلاثة أسباب وعوامل :

الأول : أن قرار نقل السفارة الذي كان مشروع قرار اتخذه الكونغرس الأميركي بصبغته الصهيونية منذ عام /1991/ ، والذي حوله الرئيس الأميركي الحالي ترامب إلى واقع حقيقي ما كان ليكون لولا عامل أساس يتمثل بقوة نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية ، وتأثيره القوي على الناخب الأميركي من خلال امتداده وتغلغله في مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فضلاً عن التأثير الإعلامي الهائل حيث تعود ملكية خمسٍ وسبعين بالمئة من وسائل الإعلام الأميركية إلى الصهاينة ومعروف تأثير الإعلام على الناخب الأميركي ، وعلى كيفية اتخاذ القرار من أدنى وأضيق الدوائر إلى أوسعها وأعلاها وهو البيت الأبيض مروراً بالكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ .

أما السبب الثاني فإن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد ، ولا ترغب بإحلال السلام في هذه المنطقة الحساسة من العالم ، ودليل ذلك أن مؤتمر السلام الذي عقد في جنيف عام /1991/ والذي نادى بحل الصراع على أساس قراري مجلس الأمن الدوليين /242/ ــ /338/ اللذين يقضيان بإقامة دولة فلسطينية على حدود /1967/ لم تزل مقرراته حبراً على ورق وذلك في ضوء السرطان الاستيطاني الصهيوني ، والانحياز الأميركي الأعمى لإسرائيل ومنعها من أي إدانة في مجلس الأمن .

ومرد ذلك أن واشنطن لا تريد في الحقيقة الاستقرار لهذه المنطقة ، وتريدها تبقى مضطربة على الدوام ، وذلك تعطيلاً لنهضة الأمة العربية لأن الاستقرار يعدُّ الأساس للنهضة والركيزة والسبب في قيامها ، والتي بدورها تشكل خطراً على المصالح الأميركية الانتهازية في هذه المنطقة الحساسة من العالم التي تربط الغرب بالشرق وتتحكم في المضائق العالمية ، مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق جبل طارق ، وتمتلك /60/ بالمئة من احتياطي النفط العالمي .

أما السبب الثالث , وهو الأهم , فيتمثل بضعف تأثير العرب في القرار الدولي من خلال تشتتهم ، وضعفهم ، وعدم تسخير امكانياتهم ولا سيما النفطية والمالية منها خدمة لمصالحهم الحقيقية أولاً ، وخدمة للقضية الفلسطينية ثانياً ، ولو كان هناك ثقل عربي بحجم الامكانات العربية ، وهي مذهلة ، وتتفوق على امكانيات اللوبي الصهيوني .

نقول لو توحدّت هذه الإمكانات العربية ، واتخذت الرشد سبيلاً لها لما حلّ بفلسطين ما يحلّ بها ، ولما تجرأ ترامب رغم كل ما سبق ذكره على اتخاذ قراره المشؤوم بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة التي يفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية ورمزها الأبدي لأن القدس عربية منذ فجر التاريخ وهذا ما أثبتته الوقائع ، وهي أولى القبلتين ومسجدها الأقصى ثالث الحرمين الشريفين .

 

الكاتب: 
مصطفى النعسان
العدد: 
15747