ثنائية الشرق والغرب في دواوين وجيه البارودي

العدد: 
15748
التاريخ: 
الأربعاء, 16 أيار 2018

تنوعت مستويات اهتمام الشاعر د.وجيه البارودي بين مؤلفاته الشعرية، التي صدرت بين عامي 1950- ....، تنوعا تعود أسبابه غالباً إلى مؤثرات حوادث الأيام في مواقفه ورؤاه...
أ، «بيني وبين الغواني»:  صدر هذا الديوان يضمّ بين دفتيه ما كتبه البارودي من قصائد في نحو خمس وعشرين سنة، منذ بلوغه التاسعةَ عشرةَ عام 1925حتى سنة 1950 تهيمن الموضوعات الفكرية والسياسية على هذه القصائد، معتمدة منهج المقارنة بين حدّي ثنائية الشرق والغرب، سبيلين إلى تفنيد مثالب الأول، ورفع فضائل الثاني، بحماسة شاعر في عنفوان الشباب، بلغ به حس التمرد على واقعه أعلى ذراه، معتداً بنفسه اعتداداً يجعله يرى ذاته المتمردة في إهاب السيد المسيح، علّه يتمكن من استنهاض «الموتى»، فيقول في قصيدته «الطبيب الشاعر» منادياً بيوم الحساب، مستنهضاً فقراء زمانه «العافين» الغافين في بؤرة «الأوباء» والجهل، للوصول إلى عدالة تشمل الوجود كله في الشرق والغرب:

«وفي بؤرة الأوباء عشتم سلاحكم
        دعاء وتعويذ وزيف من السحر
فيا أيها الموتى أفيقوا ابن مريم
     أتاكم ينادي بالقيامة والحشْرِ
 تعالوا نعش في روضة العيش إخوةً
    كما يرتع السرب الوديع من الطيرِ
 ويسعى جميع الناس شرقا ومغربا
      لإسعاد كل الناس في المذهب الحرِّ»
قدم هذا الديوان إلى المطبعة، عام 1968، ليصدر في طبعة ثانية، تأخر صدورها حتى عام 1971، الذي شهد صدور ديوانه الثاني «كذا أنا» أيضا، مع بلوغه الخامسة والستين من العمر.
ب، «كذا أنا»: صدر هذا الديوان عام 1971، ضاماً بين دفتيه ما كتبه الشاعر من قصائد، في مرحلة نحو ثلاث وعشرين سنة،  منذ عام 1950...وقد بلغ الشاعر السابعة والستين من العمر، عندما أصدر هذا الديوان، بعد نحو عقدين شهدا تضييق الحصار السياسي والعسكري على الفكر النخبوي ومناصريه الذين كان الشاعر من أشدهم قسوة في نقد تيارات «الرعاع» العوام الجهلة، والرثاء لحال العالم المثقف الذي غدا من أصحاب الحظوظ الكابية في هذا الشرق، بمثل قوله في قصيدته «حماة في العهد الكتلوي»:
«كفروا بدين العلم واعتصموا بحبل الترهات
ومشوا وراء زعيمهم كالعير فوضى في الفلاة
يخبو المثقف بينهم كسلاً ويهفو للسبات
جو من الحمى يصول به البعوض على البزاة
وعلى المنابر كل نكس كل معتلّ الصفات
ما أتعس الدنيا إذا انقلب الرعاع على السراة».
ج، «سيد العشاق»: صدر هذا الديوان الكبير عام 1994، ضاماً بين دفتيه ما كتبه الشاعر من قصائد، في مرحلة نحو ثلاث وعشرين سنة، منذ بلوغه الخامسة والستين حتى بلوغه الثامنة والثمانين، وهي مرحلة تعززت فيها نزعته إلى إعلان الهدنة في حربه القديمة على أمراض المجتمع والشرق، وتغطيتها بستائر قصائد الحب والغزل، معلناً على غلاف هذا الديوان ما يبوح بذلك في قوله:
«يا أيها الحيران في دنيا الهوى‏
هيا استمع لتجاربي ونوادري‏
أنا سيد العشاق من قبل الشبا‏
ب ومن نعومة أنملي وأظافري»
لا بدّ من الإشارة إلى اشتمال هذا الديوان على قصائد قديمة ومقتطفات عالية النبرة في اهتمامها بثنائية الشرق والغرب، لكنها تعود إلى ديوانيه السابقين، وتعبر عن مراحلهما التاريخية والفنية السابقة، جمعها مع قصائده اللاحقة بعد المرحلة السابقة، فصدرت في ديوان كبير الحجم بعنوان «سيد العشاق»، مبتعدة بهيمنة موضوعاتها الغزلية عن القضايا الجوهرية لرسالة الشعر الاجتماعية التي ميزت بلهبها العالي ديوانيه السابقين، ولاسيما الأول منهما.

حاشية:
 البارودي، الدكتور وجيه، 1971- بيني وبين الغواني. ط2، مطبغة الدباغ، حماة، (303ص). الغلاف.
 البارودي، الدكتور وجيه، 1971- بيني وبين الغواني. ط2، مطبغة الدباغ، حماة، (303ص). ص11
 البارودي، الدكتور وجيه، 1971- بيني وبين الغواني. ط2، مطبغة الدباغ، حماة، (303ص). ص44

الفئة: 
الكاتب: 
د . راتب سكر