من الذاكرة الحموية التماس هلالي رمضان وعيد الفطر كان محصوراً بحماة

العدد: 
15749
التاريخ: 
الخميس, 17 أيار 2018

منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى عام 1976 كان لالتماس هلالي رمضان وعيد الفطر نكهة مميزة في مدينة حماة ، سيما وأن مجريات إثبات الهلال في حماة كانت هي الوحيدة في العالم العربي والإسلامي ذلك أن الشخص الذي كان ضليعاً بالتماس الهلال هو الحاج أحمد نعسان الأحدب ( أبو عزو) المولود عام 1914 والمتوفي عام 1976 وقد كان لحماة شهرتها في العالم من حيث أن إثبات الهلال كان محصوراً في مدينة حماة .

صحيح أنه لا يمكن للعين المجردة أن تقارن مع التقنيات الحديثة في لإثبات الهلال بعد تطور علم الفلك وانتشار المراصد الفلكية الحديثة الالكترونية التي تنبئ بالظواهر الفلكية حتى بعد عشرات الآلاف من الأعوام . لكن الحديث النبوي الشريف القائل ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن عُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين – وكلمة عُمّ المقصود بها عدم الاهتداء إلى رؤيته وغالباً ما يكون بسبب تلبد الجو بالغيوم أو لكون الشهر ثلاثون يوماً ) يبقى هو المرتكز الأساسي لإثبات الهلال بالعين المجردة تطبيقاً للآية الكريمة 189 من سورة البقرة والتي ورد فيها (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج )  يضاف إلى ذلك البهجة الحاصلة من خلال أسلوب التماس الهلال من قبل أهل مدينة حماة .

والآن نعود إلى التماس هلال رمضان أو شوال ، كان المشايخ ورجال الدين يصعدون إلى قلعة حماة قبل غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان أو التاسع والعشرين من رمضان مع جمهرة من أبناء المدينة شيوخاً وشباباً وأطفالاً وبالطبع فإن الحاج نعسان الأحدب يكون في طليعة المتواجدين على قلعة حماة ، وبمجرد أن تغيب الشمس يبدأ التماس الهلال ذلك أن فترة بقاء الهلال بعد غروب الشمس هي أربعون دقيقة فقط ، فإذا لم يتم رؤيته خلال تلك الفترة ، فلا داعي للبقاء . إلا أن الحاج نعسان الأحدب ومن خلال نظره الثاقب ومعرفته لمكان وتوقيت ظهور الهلال الذي يتبدل كل شهر فإنه كان يكتشف ظهور الهلال خلال الدقائق الخمسة الأولى بعد مغيب الشمس وفور اكتشافه لظهور الهلال يقوم بدعوة عدد من المشايخ ورجال الدين وفي طليعتهم المرحوم الشيخ محمد الحامد رحمه الله ليرشدهم إلى مكان ظهور الهلال ، وبعد أن يتأكد الجميع من رؤية الهلال فإنهم يتوجهون إلى المحكمة الشرعية لأداء اليمين الشرعية المتمحورة حول رؤيتهم للهلال ، بعد ذلك يقوم القاضي الشرعي في حماة ودائرة الإفتاء أيضاً بالاتصال مع الجهات الشرعية في العاصمة حيث يتم الإعلان عن بدء شهر رمضان المبارك أو تحديد يوم عيد الفطر المبارك ، وبمجرد ما أن يتم تحديد الأول من شهر رمضان أو الأول من شهر شوال بشكل رسمي تنطلق المدافع في كل مدن سورية لتطلق واحداً وعشرين طلقة ابتهاجاً بقدوم رمضان أو عيد الفطر .

غالباً ما كانت بقية دول العالم العربي والإسلامي تعتمد إثبات رؤية الهلال في سورية كي تحدد بالتالي لديها الأول من شهر رمضان أو الأول من شهر شوال وإثبات الهلال في سورية يكون في حماة ومن قبل الحاج نعسان الأحدب .

بقيت مدينة حماة حتى عام 1976 هي المدينة الأولى في العالم التي تقوم بإثبات هلالي رمضان وشوال ذلك أن الحاج نعسان الأحدب قد توفي في عام 1976 عن عمر يناهز الثانية والستين من عمره ولم يعد يوجد في حماة من يحل مكانه .

فمن هو الحاج نعسان الأحدب ؟ إنه شخص عادي يعمل (كندرجي) في محله المتواضع والذي يقع في طلعة الدباغة في الزاوية المجاورة لثانوية التربية الاجتماعية مقابل طلعة التل وهو شقيق المرحوم الأستاذ سهيل الأحدب الذي سمي مركز الفنون التشكيلية باسمه وكان محل الحاج نعسان الأحدب أشبه ما يكون بكشك بدائي سقفه من التوتياء والخشب ، أما الآن فقد تحول إلى كشك جميل بعد تحديثه ولم يعد مكاناً لتصليح الأحذية وإنما أصبح دكاناً لبيع منتوجات البسكويت والشوكلا و الشيبس ، لقد حصر الحاج نعسان اهتمامه منذ ريعان شبابه بالتماس الهلال . حيث كان في نهاية كل شهر هجري يصعد إلى قلعة حماة عند غروب الشمس ويتابع مكان ظهور الهلال وساعة ظهوره ، كذلك فقد كان له حساباته الخاصة ، لذا فإن التماسه لهلال رمضان وشوال ومشاهدتهما لم يكن بالصدفة وإنما من خلال حساباته ومتابعته الشهرية ، وهذا ما جعله أن يرى الهلال خلال دقائق معدودة بعد غروب الشمس .

إن بعض الناس زعموا أنه كان بعين واحدة لدرجة أن بعضهم لقبوه (أعور حماة) وهذا غير صحيح فله عينان كعيني النسر وللتأكيد على ذلك فقد أرفقت مع مقالتي هذه صورة شخصية له .

والآن سأورد بعض الذكريات المتعلقة بالتماس الهلال :

1-في عام 1974 تصادفت مع سائحة فرنسية ورافقتها لزيارة بعض معالم مدينة حماة كقصر العظم والنواعير وجامع أبي الفداء والزاوية الكيلانية ، فإذا بها تسألني هل صحيح أن حماة هي التي تحدد العيد لكل المسلمين في العالم فشرحت لها بإيجاز كيفية التماس الهلال وأخذتها كي تشاهد الشخص الذي يلتمس الهلال ويشاهده ، وكم كانت دهشتها كبيرة عندما شاهدت الحاج نعسان في دكانه البسيط ولم تصدق أن هذا ( الكندرجي) المتواضع هو الذي يحدد العيد للمسلمين في العالم حسب اعتقادها ، لكنها تفاجأت بحديثه وشرحه لها عن كيفية التماسه لهلالي رمضان وشوال وكانت تسجل كل ذلك في مفكرتها لا سيما شرحه لها أموراً تتعلق بعلم الفلك ، الأمر الذي أدهشها كيف أن هذا ( الكندرجي ) البسيط يلم بهذه المواضيع والتفتت إلي قائلة هذا يصلح ليكون عالماً في وكالة ناسا .

2- حيث  أن الحديث النبوي الشريف يقول " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " فإن سورية في عام 1960 وابان الوحدة مع مصر قد صامت رمضان تسعة وعشرون يوماً بينما مقر قد صامته ثلاثين يوماً ذلك إن مجلس الإفتاء في سورية حدد الأول من شوال بعد تسعة وعشرين يوماً من رمضان بسبب رؤية الهلال ، أما في مصر فلم يتم رؤية الهلال ، علماً أن الاجتهاد الفقهي مستقر على أن رؤية الهلال في أي بلد إسلامي يكون سارياً على كافة البلاد .

وهذا غير معمول به في الوقت الحاضر حيث أن كل بلد يقوم بتحديد الأول من رمضان أو الأول من شوال حسب رؤيته في ذلك البلد .
-  كذلك وفي إحدى الأعوام في بداية الستينات فإن محافظة حماة صامت لوحدها تسعة وعشرين يوماً بينما باقي المحافظات صامت رمضان ثلاثين يوماً ، ذلك أنه قد ثبت رؤية هلال شوال من خلال مشاهدته من قبل الحاج نعسان الأحدب ، وباقي رجال الدين المتواجدين على قلعة حماة ، وعندما تم إعلام الجهات الشرعية المسؤولة في العاصمة بذلك ، فإنهم لم يأخذوا بذلك انطلاقاً من أنهم لم يشاهدوا الهلال في دمشق ، فما كان من رجال الدين في حماة وعلى رأسهم الشيح محمد الحامد رحمه الله إلا أن طلبوا من الأهالي أن يفطروا في اليوم التالي وهذا ما حدث فعلاً .

4- في السابق كان معظم الناس يقومون بتفصيل لباسهم عند الخياطين سواء أكان ذلك بذلة رسمية أم طقم عربي ، كذلك كانوا يفصلون الأحذية عند الكندرجية ، لذلك كنت ترى الخياطين والكندرجية خلال شهر رمضان يبقون في محلاتهم حتى السحور من أجل أن تكون الملابس والأحذية جاهزة على العيد ، والأمر كذلك بالنسبة لبائعي الحلويات حيث كان الناس يوصونهم على البقلاوة والتي في حينها كانت تصنع بالجوز ، لذا كان الخياطون والكندرجية وبائعو الحلويات يطلبون من الحاج نعسان الأحدب على سبيل المزاح أن لا يقوم بإثبات هلال شهر شوال بغية جعل رمضان ثلاثين يوماً كي يستطيعوا إنجاز جميع ما هو مطلوب منهم .

5- من خلال متابعة الحاج نعسان الأحدب لمسيرة الهلال فإنه كان يتنبأ سلفاً بأن شهر رمضان سيكون ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين وكانت معظم تنبؤاته تصدق فيما بعد من خلال التماس الهلال ورؤيته .

وإلى اللقاء في ذاكرة حموية قادمة

سقى الله ذلك الزمن

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
المحامي معتز برازي