البطاطا مرة أخرى تكلفة الدونم 300ألف ليرة وإنتاجه بـ 150 ألفاً في سوق الهال تكتمل المأساة سلامي : نستجر من أرض الفلاح مباشرة لحمايته من ابتزاز التجار

العدد: 
15749
التاريخ: 
الخميس, 17 أيار 2018

عندما غنت صباح أغنيتها المشهورة "عالبساطة البساطة .. ياعيني على البساطة .. أديش مستحلية عيش جنبك يا بو الدراويش تغديني خبزي وزيتوني وتعشيني بطاطا" كانت تؤكد على أن البطاطا هي لحم الدراويش والفقراء. وهي الأكثر شعبية بين الطبقة الفقيرة، وتُعد من المواد الأساسية التي يعتمد عليها الكثير من العائلات محدودة الدخل، وأحد أنواع الخضار الأساسية لدى الأسرة ، وخاصة الأسر الفقيرة التي تعتمد على البطاطا لإعداد ليس فقط وجبة الغداء  وحتى الفطور والعشاء، وإن كنا نتعاطف مع المواطن الفقير الذي بات اليوم بإمكانه شراء هذه السلعة بسعر زهيد لا يصل حد تكلفته، فإننا بالمقابل نتعاطف أيضاً مع المواطن الفلاح الأشد فقراً الذي لم يعد يستطيع صد اللكمات المتلاحقة التي تسدد إليه، فبين انخفاض أسعار محصوله وارتفاع تكاليف الإنتاج، ضاع تعبه هباءً منثوراً.

‏أسعار منخفضة

 مع بداية فصل الشتاء الماضي انخفضت أسعار البطاطا إلى نحو 75 ليرة للكيلو غرام الواحد، بعد أن حققت ارتفاعات كبيرة العام الماضي، واليوم انخفض سعره أكثر وبطريقة مرعبة تنذر بخطر يهدد الفلاحين وتجعل بعضهم يحجم عن زراعة البطاطا للأبد بعد أن تكبد خسائر فادحة لا يمكنه تحملها بعد أن انخفض سعر كيلو البطاطا في الأسواق المحلية إلى 50 ليرة   أما في الحقل فالسعر بحدود "25" ل.س.

أصابع الاتهام في خلق مشكلة الفائض من الإنتاج توجهت إلى وزارة الزراعة بسبب عدم معرفتها بالروزنامة الزراعية لهذا المنتج، حيث قامت مؤسسة إكثار البذار بتوزيع البذار على الفلاحين بالتوقيت ذاته من دون مراعاة مواعيد زراعتها في كل محافظة، ما تسبب بخلل واضح عبر زراعة البطاطا في “حمص” و”حماة” و”طرطوس” بوقت واحد.

وتسود اليوم حالة من القلق يعيشها الفلاحون اليوم بسبب الاستمرار في تدني أسعار البطاطا ما سبب تكبدهم خسائر فادحة، ففي حين كانت أسعار مستلزمات زراعتها مرتفعة بين بذار وسماد ومحروقات للسقاية، إلى عمليات القلع والنقل والتسويق جاءت الخسائر متلاحقة ، فسعر كيلو البذار الأجنبي 450 ليرة، وكيس سماد اليوريا يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية.


وشهد شاهد من أهله

قدرت وزارة الزراعة كلفة كيلو البطاطا الواحد بـ 112 ليرة، وتكلفة الدونم الواحد 300 ألف ليرة، بينما يباع حالياً من أرضه بحوالى 50ألف ليرة، وبحسب دراسة وزارة الزراعة "تقديرات الإنتاج للعروة الربيعية من البطاطا حوالى 600 ألف طن، مع انخفاض شديد في الاستهلاك المحلي، ولذلك كميات فائض الإنتاج أصبحت كبيرة.

مزارعو محافظة حماة أبقوا على محصول البطاطا في أرضه  من دون حصاده وحراثة الأرض وهو فيها، لأن تكلفة قلعه أعلى من أسعار المبيع.

وما شهده موسم البطاطا سحب على عدد من الخضر الأخرى ومنها البصل والثوم وغيره ومن لم يخسر من تدني الأسعار ، سيخسر حتماً من جراء العاصفة التي تمر بها المنطقة ، فالكمون واليانسون والدخان المزروع في المناطق الجبلية  تضرر كثيراً والخوف الأكبر على القمح ...والعوض على الله.

مبررات

 "عدم وجود أسواق خارجية للتصدير إليها وإن وجدت هذه الأسواق فهي بعيدة كروسيا وإيران" بهذه العبارة بررت الجهات المعنية سبب الخسائر، وأضافت : إن كلفة الشحن الجوي ستكون كبيرة، فكيلو البطاطا الواحد سيكلف حوالى 1000 ليرة سورية حتى يصل. وبالنسبة للشحن البحري فهو أضعاف تكلفة الشحن البري، إضافة إلى أنه سيحتاج إلى مدة أطول في الوصول.

وأضاف المصدر: "بالتالي فإن الحل الوحيد والجذري لتصدير البطاطا وسواها من الخضر والفواكه يكون بفتح خط الشحن البري إلى العراق لأنه الأقل تكلفة".

خسارات متلاحقة

عدد من المزارعين عبروا عن معاناتهم وهمومهم بطريقة حزينة ومؤلمة نظراً لحجم الخسارة التي تعرضوا لها من جراء انخفاض سعر مبيع البطاطا، عدا عن الجهود المضنية التي بذلوها في خدمة المحصول.

أحد المزارعين قال لنا بحسرة: سعر سندويشة واحدة من الشاورما "250" ل.س وهذه القيمة تساوي قيمة مبيع كمية 5 كغ بطاطا في سوق الهال والتي تكفي لإطعام عائلة من خمسة أشخاص ولمدة يومين وأكثر.

 ومزارع آخر قدم لنا حساباً شبه دقيق عن تكلفة الدونم الواحد من البطاطا استناداً إلى خبرته وممارسته على ضوء أسعار وأجور الخدمات الزراعية المقدمة للمحصول، بحيث تبلغ كلفة الدونم 300 ألف ل.س وإذا اعتبرنا أن متوسط إنتاج الدونم الواحد من البطاطا 3 أطنان وسعر مبيع الكيلو غرام الواحد في سوق الهال بشكل وسطي 50 ل.س ، فإن مردود الدونم الواحد يبلغ 150 ألف ل.س ومن خلال المقارنة بين الكلفة والمردود يتبين لنا حجم الخسارة!.

خسارتنا كبيرة

مزارع آخر قال:

خسارتنا كبيرة بسبب استهلاك مادة المازوت في عملية ري المحصول ، وهذا ما أوقع المنتج بخسارة كبيرة، لا تسر الخاطر ولاتسد من جوع لأنها لاتحقق كلفة الإنتاج!!

أجور القلع مرتفعة

وآخر تحدث فقال :لم أقلع محصولي من الأرض كي لا أخسر مرتين، فأجرة ورشات قلع البطاطا مرتفعة وقد لا يسد سعر المحصول أجورها ،ولهذا فقد تركته في الأرض.  

في سوق الهال

  بزيارة قصيرة إلى سوق الهال تكتمل صورة المأساة، فالسيارات المحملة بالبطاطا متوقفة بانتظار من يستجر حمولتها بدون مناقشة، لأن الأسعار الهابطة جعلت المنتج يمل من الانتظار والمماطلة في سعر المبيع، ويعد لحظة مبيع الإنتاج بأي سعر فرصة سعيدة له، لأنه من المحتمل أن يعود بإنتاجه إلى أرضه. بعض المزارعين حفظوا إنتاجهم من البطاطا في مستودعات خاصة بهم أو في وحدات الخزن والتبريد، وبعضهم الآخر أبقى الإنتاج بالأرض أو باعه لمربّي الأغنام لذلك فإن أغلب المزارعين سيمتنعون عن زراعة البطاطا أو سيخفضون المساحة المزروعة

أقل من أسعار التكلفة

المزارعون المغلوب على أمرهم استنجدوا بالمؤسسة السورية للتجارة التي وعدتهم باستجرار محصولهم بـ 100 ليرة للكيلو الواحد لإنقاذهم من ورطتهم الجديدة، لكنها تراجعت بعد أيام قليلة عن وعودها بتخفيض السعر إلى 65 ليرة، وهو أقل من التكلفة بكثير، كما يقول الفلاحون، بشكل يضعهم أمام خسائر محققة.

المؤسسة السورية للتجارة بدأت باستجرار محصول البطاطا في محافظة حماة ،وتحميله من الحقول مباشرة وذلك بهدف شراء الفائض من هذا المحصول لدى الفلاحين بأسعار مجزية وتخزينه في وحدات التبريد التابعة لها وطرحه في اﻷسواق في فترات انقطاع إنتاج هذا المحصول وستستمر السورية للتجارة بعملها في استجرار هذا المحصول في حمص وطرطوس ومختلف المحافظات التي تتركز فيها زراعة البطاطا.

 المهندس بسام سلامي مدير فرع حماة قال :

إن استجرار محصول البطاطا من الفلاح مباشرة يهدف لخدمة المواطن منتجاً كان أم مستهلكاً، فهو أعلى من أسعار سوق الهال، لمنع أية جهة من الاحتكار والابتزاز في المواسم و غير المواسم، مبيناً أن المؤسسة تشتري من المزارع مباشرة بسعر يناسبه ويخفف عنه كلف النقل و عمولات و كمسيونات تجار أسواق الهال بما يضمن حقه ، ونقوم بتصريف قسم من البطاطا المستجرة  للبيع المباشر للمواطنين في صالاتنا و منافذ البيع لنحقق وصول المادة من المنتج إلى المستهلك، ونخزن القسم الباقي لكي نطرحه في صالات المؤسسة في غير مواسمه بعيداً عن الاحتكار و بسعر يناسب المواطن.

وماذا بعد..؟

نقولها بأعلى صوتنا: ادعموا فلاحنا قبل أن يملَّ أرضه، فالخسارات المتلاحقة له لم يعد بإمكانه تحملها، الأسعار بانخفاض ومستلزمات الإنتاج بارتفاع،فلاحنا اليوم يشعر بأن كل ما يحيط به يقف ضده، حتى الطقس بدأ هو الآخر بمحاربته، فهل سنجد من يحميه ويقف إلى جانبه؟.

الفئة: 
الكاتب: 
ازدهار صقور